إضاءة على تاريخ

26 نيسان 2022 16:42:31 - آخر تحديث: 26 نيسان 2022 22:19:27

يكتب التاريخ لصفوة الأشخاص أدواراً مميزة، فيرتّب القدر أحداثه ليؤدي الغاية.

عودة إلى الماضي، آذار 1951، ومهرجان الباروك الشهير في دارة "عارف أبو علوان"، وهو من أوائل المنتسبين والمؤيدين للحزب التقدمي الاشتراكي.

لم ينفع تهديد ولا وعيد في إلغاء المهرجان. الجماهير الشعبية تحتشد مؤيدةً للمعلّم ولجبهة النضال الوطني. تقتحم القوى الأمنية التابعة للسلطة بالسلاح والرصاص الحي الناس العزّل، فيسقط ثلاثة شهداء (حمزة أبو علوان، وملحم أبو عاصي، و فايز فليحان)، فيقول المعلّم كلمته الشهيرة، "اليوم تعمّد حزبنا بالدم".

يعتقل الدرك صاحب الدار عارف أبو علوان، فينظر إلى ابنته نازك البالغة من العمر 14 عاماً بعنفوان ويقول، "ما بدّي تضعفوا " فتجيبه: "ما يهمّك،
عنّا عقيدة خالدة خلود الزمان، 
و إلّا لـ "اللّه" ما منحني روسنا ..." 

يقول أحد عناصر الدرك متأثراً: "خدوا هالبنت من هون أحسن ما نقتّل بعض"، 
وكاد الدرك أن ينقسم! 

تنشأ نازك على مبادئ المعلّم، وتنخرط في العمل النضالي وهي لا زالت طالبة.  تطلب الانتساب إلى الحزب وهي في السادسة عشر (من عمرها)، دون السن القانوني فيجيبها المعلّم، "بإمكانك حضور الاجتماعات لحين بلوغك الثامنة عشر ..." وهكذا حصل.

في العام 1958 توفي عارف أبو علوان، وأثناء تأبينه تسقط الدموع من عين المعلّم الواقف أمام الجثمان على يد نازك، فترفض مسحها، وكأنّ مسام الروح ترتشف المبادئ من دمع المعلّم...
تستمر المسيرة، ويشاء القدر أن تتأهل نازك من "فوزي عابد" المناضل إلى جانب المعلّم، وجار قصر المختارة. وتعمل في حقل التعليم بعد نيلها إجازة في علم النفس من الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت. 

صباح الخامس عشر من آذار عام 1977، تقول لزوجها: "اللّه يحمي المعلّم. شفت بنومي شجرة الجوز الكبيرة في القصر يجرفها النهر!!"

في السادس عشر من آذار، نازك عائدة من عملها في التعليم في صيدا بسيارة الأجرة. تصل إلى دير دوريت لتجد سيارة المعلم. تترجل من التاكسي لتجد المعلّم مستشهداً بداخلها! شاء القدر أن تكون أول الواصلين. طلبت من السائق الخائف الرحيل، وبقيت إلى جانب المعلّم لحين وصول الرفاق والقوى الأمنية ونقلْ جثمان المعلّم والسيارة إلى المختارة! (الوقائع مذكورة في الفيلم الوثائقي "كمال جنبلاط: الشاهد والشهادة ") .

هذا الحدث الجلل، إضافةً إلى تعمّقها في فكر المعلم، جعلها فيما بعد تنال شهادة الدكتوراه من جامعة fairfax الأميركية بعنوان:
Kamal Jumblatt:The Leader ,The Teacher ترجمت (الأطروحة) فيما بعد إلى العربية كتاباً بعنوان، "شجرة الجوز"، إصدار الدار التقدمية. 

في العام 1979، فُجعت بوفاة ابنها البكر هشام في حادث سير. تقول فيما بعد: "خسارتي كأم كبيرة جداً ومفجعة، لكن لا خسارة توازي خسارة المعلّم. خسارة المعلم خسارة وطن وأمة".
 
أصبح فكر كمال جنبلاط خبز الروح، وغذاء العقل، وتعاليمه هواء المعرفة، الذي تتنشقه كل يوم. 

لها عدة مؤلفات إضافة إلى "شجرة الجوز ": "المزار"، و"صلوات في هيكل الروح"، و"من أنت يا صفاء"، و 365 يوم مع كمال جنبلاط". 

توفّاها القدر في 25 آذار، 2022، عن عمر يناهز ال 85 عاماّ، وكانت قبل بضعة دقائق من الوفاة تجيب على اتّصال هاتفي من أحد الباحثين عن فكر المعلّم.

ستبقى فينا نهجاً وفكراً وأخلاقاً...

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".