إغفال مصالح القارة الأوروبية

17 نيسان 2022 08:32:44

للقارة الأوروبية التي تعيش اليوم وسط الإرباكات التي تُسببها حرب أوكرانيا، خصائص تاريخية وجغرافية كبيرة، ولها حضورها المتميز على المستوى العالمي، وهي صنعت محطات مهمة في مسيرة البشرية، وأرفدت الحضارة بسلّة وازنة من العطاءات، وعلى أرضها حصلت أهم الأحداث في التاريخ المعاصر، لاسيما الحربين الكونيتين في القرن العشرين.

يشعر بعض من قادة الرأي الأوروبيين خصوصاً في ألمانيا أن تعاطي الحليف الأميركي مع التطورات الجارية في الحرب الأوكرانية لا يراعي مصالح القارة بما يكفي، ويسبب إحراجاً سياسياً واختناقات اقتصادية ومعيشية، ويقلِّص هامش الإستقلال عند الدول الكبرى فيها، كما أن المقاربات الأميركية المعتمدة راهناً ترفض كل أشكال الأمن الذاتي الأوروبي، بينما كان ذلك متاحاً في العقود الماضية.

لعل أهم ما يمكن تسجيله في هذا السياق، الخلاف الحاصل حول الموقف من قرار مقاطعة المنتجات النفطية والغازية الروسية، حيث يرى حلفاء واشنطن الأقوياء في القارة الأوروبية، أن ذلك مستحيل في الوقت الحالي، ولا يمكن تطبيقه بعُجالة، أو اعتباره جزءاً من سلّة العقوبات التي فُرضت على روسيا بعد هجومها العسكري على أوكرانيا. 

وبرأي خبراء فرنسيين وألمان، فإن وقف استيراد الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا يعتبر بمثابة عقوبات تفرض على أوروبا وليس العكس، وتؤدي إلى نتائج كارثية في الوقت الحالي، نظراً لاعتماد القارة على الغاز الروسي بما يزيد على 40% من حاجاتها، ولكون الغاز الروسي ينقل إلى القارة بواسطة الأنابيب الأرضية والبحرية التي توفر جزءاً من تكلفة النقل، وهناك استثمارات أوروبية كبيرة دفعت لإنشاء هذه الأنابيب في الفترة الماضية، وسيؤدي تعطيل العمل بها إلى إفلاس شركات أوروبية كبرى.

بالمقابل، فإن قدرة تأمين البدائل عن الغاز الطبيعي الروسي غير متوافرة حالياً؛ لأن كمية الواردات الأوروبية من غازها تتجاوز 155 مليار متر مكعب سنوياً، بينما تعرض الولايات المتحدة على أوروبا تعويضها بـ15 مليار متر مكعب، والمفاوضات مع أستراليا والجزائر ونيجيريا وقطر لم تصل إلى اتفاق على أن تحل هذه الدول مكان روسيا في تصدير الغاز لأوروبا، نظراً لعدم قدرة منتجاتها على توفير مثل هذه الكمية الهائلة، ولكي لا تقع هذه الدول في مواجهة روسيا التي تربطها معها اتفاقيات في إطار الدولة المصدرة للغاز منذ عام 2001.

وأوروبا لا تستطيع التعايش مع نقص هائل في وارداتها من النفط والغاز الطبيعي، حيث لم تنجح كل الخطط التي وضعت في السابق لإنتاج طاقة كهربائية من خلال الموارد الطبيعية  خصوصاً من الرياح والشمس  إلا بتوفير أقل من 6% من حاجة السوق للكهرباء، كما أن الاستثمارات لإنتاج الطاقة من هذه الموارد مكلفة، وتحتاج إلى مبالغ طائلة ومساحات واسعة من الأرض.

أما الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على دول منظمة "أوبك" المصدرة للنفط، فقد أدت إلى نتائج عكسية، وسببت ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي أسعار حزمة واسعة من السلع الضرورية، لاسيما في أوروبا والولايات المتحدة بالذات؛ لأن دول "أوبك" لا يمكنها أن تكون جزءاً من عدة الضغط على روسيا، وهي ترتبط معها بتفاهمات في إطار "أوبك بلس"، لأن توجيه أسواق النفط بدوافع سياسية يضر العالم أجمع، ويفاقم الأزمات أكثر مما يسهم في حلها.

ويرى الألمان والفرنسيون تحديداً أن معارضة واشنطن لقيام منظومة دفاعية أوروبية خاصة لحماية القارة، يُكبل الدول الأوروبية، ويبعث على القلق؛ لأن أحد أسباب التوتر مع روسيا يكمن في الاستثمار الأميركي لحلف الأطلسي، والهامش الاستقلالي الأوروبي في الأمن قد يُجنِّب القارة بعض من هذا التوتر. ولا يمكن إغفال مخاطر إدخال فنلندا والسويد المحايدتين في حلف الأطلسي؛ لأن روسيا هددت بإعادة نشر صواريخ نووية في البلطيق إذا ما تخلّت الدولتان الشماليتان عن حيادهما.

وبالمقابل، فإن إطالة أمد الحرب في أوكرانيا ليس في مصلحة أوروبا على الإطلاق، بينما الولايات المتحدة لا يضرها استمرارها لأمد طويل؛ لأنها تربك خصمها الروسي، وتدفع الأوروبيين إلى الانتظام خلفها.