"الحقيقة".. أبرز ضحايا الحرب

08 نيسان 2022 08:20:56

للحروب أهداف متعددة، منها مشروعة للدفاع عن الوطن وأمن أبنائه أو لتحرير أرض محتلة، ومنها ما ينطلق من عدوان ومن رغبة في توسيع النفوذ والهيمنة. وغالباً ما يكون ضحايا الحروب أو الذين تصيبهم الأذية والويلات منها، الأبرياء وممتلكاتهم. وتتحمّل الثقافة العامة ومفاهيمها المختلفة وزراً كبيراً من الدعايات المشوهة التي تُستعمل إبان المعارك، والكلام الذي كان يصدر عن غوبلز وزير الإعلام النازي في الحرب الكونية الثانية، خير مثال على هذه المقاربة.

أبرز ضحايا الحرب التي تجري في أوكرانيا منذ ما يزيد على شهر، كانت الحقيقة. فلا التبريرات الروسية التي سبقت الهجوم العسكري كانت كافية لإقناع الغرب بمشروعية الأعمال العسكرية، ولا المواقف الحكومية الأوكرانية ومعها الدعاية الغربية ظهرت بأنها تستوعب المطالب الروسية. فروسيا مُحقة في مطلبها بتحييد أوكرانيا عن الصراع القطبي؛ كونها تقع على خاصرتها الغربية الرخوة، وأوكرانيا ومن ورائها الولايات المتحدة ودول غربية لديها ما يبرر خطابها السياسي، على اعتبار أن استقلال وسيادة الدول حق كرّسته الأعراف الدولية، وكفلهما ميثاق الأمم المتحدة، كما نصت على احترامهما اتفاقية بودابست التي وقعتها روسيا وأوكرانيا عام 1994.

من المؤكد أن الثمن الذي دفعته روسيا من جراء الأعمال الحربية كان باهظاً جداً، على الرغم من أن الأعمال العسكرية لم تنته بعد، وقد تكون مرشحة للاستمرار إلى آجال طويلة. والخسائر المعنوية والاقتصادية التي تكبدتها موسكو حتى الآن، تفوق الخسائر العسكرية بكثير، ذلك أن العقوبات التي فُرضت عليها من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ومن دول مجموعة السبع الصناعية الكبرى، هي الأوسع والأقسى عبر التاريخ، وقد تأكد أن هذا الحصار الغربي على روسيا فعل فعله، فتراجع النشاط الاقتصادي على الرغم من القوة التفاضلية التي يمتلكها الاقتصاد الروسي بسبب حيازته مخزوناً هائلاً من النفط والغاز.

أما الاقتصاد الأوكراني فقد دفع ثمناً باهظاً أيضاً جراء الحرب، فاق  في حجمه  ثمن الخسائر العسكرية والبشرية والعمرانية التي حصلت، على أهميتها؛ لأن شللاً شبه كامل أصاب المرافق الإنتاجية في البلاد. 

والحصار على الموانئ الجنوبية وعزل أوكرانيا عن البحر الأسود وبحر آزوف، أصاب هذا الاقتصاد في مقتل؛ لأن أوكرانيا تعتمد على هذه المنافذ في تجارتها الخارجية، لا سيما في تصدير المنتجات الزراعية والصناعية، وقد تكبدت هذه القطاعات أضراراً كبيرة، لا يبدو أن المساعدات الغربية تكفي لتعويض الخسائر المحققة.

وللحرب الأوكرانية ضحايا خارج دائرة الصراع، وقد طال لهيبها الاقتصاد العالمي برمته، جراء النقص الكبير في السلع الغذائية في الأسواق العالمية، لاسيما من مادة القمح الاستراتيجية، نظراً لحجم الإنتاج الروسي والأوكراني منها، حيث تبلغ صادرات البلدين من القمح ما يزيد على 25% من الصادرات العالمية من هذه المادة. ولا بد من ذكر الانعكاسات السلبية الكبيرة للحرب على مادتي النفط والغاز، فقد ارتفعت الأسعار واضطربت حركة الأسواق العالمية، وتأكد أن المعالجات الجارية في هذا السياق من دون إشراك روسيا، تزيد من حدة الأزمة، بصرف النظر عن الرؤية الأمريكية التي تعتمد على بيع جزء من المخزون الاستراتيجي، والضغط على الدول المنتجة لزيادة الإنتاج؛ لأن روسيا أكبر دولة منتجة للغاز الطبيعي في العالم، وأوروبا تعتمد على الغاز الروسي بما يزيد على 40% من حاجاتها، كما أنها ثالث أكبر دولة منتجة للنفط، ويزيد إنتاجها على 5 ملايين برميل يومياً، وهي كميات لا تستطيع الأسواق العالمية تأمينها بسهولة إذا منع الغرب استيراد هذه المواد من روسيا، وزيادة الإنتاج لأسباب سياسية لا يتوافق مع مبادئ منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وسيُغضب روسيا، وبعض دول المنظمة لا تريد إغضابها، كما لا ترغب في أن تكون جزءاً من التحالف الدولي ضدها.

وتدور حرب إعلامية بين الحكومة الأوكرانية والمتعاطفين معها في الغرب، وبين روسيا، وقد أسهمت المعلومات المتداولة في تضليل الرأي العام حول ما يجري. 

وقد تأكد أن المعلومات التي تصدر عن فريق موسكو غير كافية لإعطاء فكرة واضحة عن حجم الضحايا، خصوصاً من المدنيين، كما أن الأسلوب الذي يعتمده الرئيس الأوكراني ومعه فريق واسع من القادة الغربيين، فيه مبالغة كبيرة. وقد ثبت أن بعض الصور التي تشير إلى جرائم حرب مركبة، ليست واقعية.