أرادوه حفلة شاي... فكان قدر أحرار وشعلة ما اطفأتها رياح ومؤامرات

المحرر السياسي |

لم يكن ذلك النهار عاديا في منزل السياسي الشاب في فرن الشباك، وهو القادم من بيت سياسي عريق يحمل مسؤولية تتخطى احيانا حدود الجغرافيا وتتحكم فيها دائما مصائر الأقدار والزمن.

ففي الأول من أيار 1949 تداعى الى منزل كمال جنبلاط نخبة من أبناء جيله المثقفين، وكان قد أعد حفل استقبال متواضع ومواكبة اعلامية لنقل الحدث وهو ولادة حزب سياسي جديد في لبنان.

اعتقد البعض ان الحدث لن يكون الا مجرد حفلة شاي تنتهي بعودة المدعوين الى منازلهم، الا ان للقدر كلمة هذه المرة ايضا، فمع ولادة الحزب التقدمي الاشتراكي اتقدت شعلة حملتها السواعد من جيل الى جيل ولا زالت بعد مرور سبعين عاما، شعلة في الميدان وفي الساحات وفي الفكر.

لم يكن اختيار كمال جنبلاط ليوم الاول من ايار عبثيا، حيث تلازمت ذكرى تأسيس اول حزب اشتراكي في لبنان بيوم العمال في العالم فكانت المسؤولية مضاعفة بأن النضال لا يمكن ان يتوقف طالما هناك عامل في مصنع وفلاح في حقله وصياد في مركبه واستاذ في صفه.

قد يقول قائل ان الاشتراكية قد طواها الزمن، وهنا تتجلى لمسة كمال جنبلاط مرة جديدة، بعدما نجح بوضع اسس لاشتراكية اكثر انسانية قادرة ان تعيش في كل زمن لا بل كانت حاضرة في كل حضارة انسانية وان حملت غير مسمى، وقد ناضل الحزب التقدمي الاشتراكي لارساء هذه الاشتراكية في لبنان من خلال دولة الرعاية والعدالة الاجتماعية ومن خلال معركة الحقوق الاجتماعية التي خاضها مرارا وها هي تلوح من جديد في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان في ظل الازمة المالية والاقتصادية، والتي يمكن ان يسقط فيها دور الوظيفة الاجتماعية للدولة اذا ما جرت حماية الفئات الفقيرة ومكتسباتهم وعدم المساس برواتب الموظفين.

الا ان الحزب التقدمي الاشتراكي يقف مجددا رأس حربة في وجه اي مساس بالفقراء او بالعمال والمستخدمين والموظفين، في موقف لا ينفصل ابدا عن مسيرته الطويلة من اجل مواطن حر وشعب سعيد.

فالراية ستبقى خفاقة والشعلة لن تنطفئ مهما عصفت حولها الرياح الهوج وما أعنفها اليوم، فلا العواصف العابرة للحدود أطفأتها يوما ولا مؤامرات الداخل، فثورة الاحرار تنتصر دائما مهما ارتوى الباشق من دم العصفور.

وهكذا شعلة الحزب التقدمي الاشتراكي التي تزداد بريقا كلما عبث الزمن بالانسان والاوطان، لان من ولد حرا لا يمكن ان يعيش الا حرا... فهللي للخير يا دنيا الغد.