ما أشبه اليوم بالبارحة

غالباً ما يتأخر رؤساء الجمهورية في لبنان من الإحاطة بمفهوم المواطنية ومفهومي العدالة والمساواة ولو أجرينا استعراضاً تاريخياً لكافة مراحل الرئاسات من الإستقلال إلى اليوم لوجدنا أمرين يبدآن العمل بهما أولهما التجديد أو تأمين الوريث كما يجري اليوم وكأن الكرسي لا تليق إلا بهما وبمن يرثهما والثاني الكباش مع الشريك الآخر في الجبل على قاعدة أن الرئيس متصرّف منتدب من الغرباء وكأن شعار دفرونميا – اختصار الحروف الأولى لأسماء المتصرفين- طموح لهم لإضافة أسمائهم إلى جدول المتصرفين ناسين الجمهورية الجديدة التي اعترف بها العالم والتي عرفت بدولة لبنان الكبير سنة 1920.

بدءاً مع الرئيس الأول بشارة الخوري الذي رعى الفساد عبر أخيه السلطان سليم وأعوانه وكرّس مفهوم النهب المنظّم لخيرات الدولة والتسلط على الطوائف الأخرى ولكأنّ البلد بلدهم وحدهم لا يشاركهم في حكمه أحد من كياناته. كل ذلك التسلط سقط في أيلول 1952 أمام المد الديمقراطي للجبهة الإشتراكية الوطنية بقيادة الزعيم كمال جنبلاط وأصبح الشيخ بشارة وعهده نسياً منسياً وحصد نتيجة أخطائه في التعدي على الدستور ومبادئ الديمقراطية مما حدا بالمرحوم ميشال شيحا ملهم الدستور اللبناني ان يتخلى عنه رغم مابينهما من تعاون وعلاقة اسرية.

أمّا في عهد المغفور له الرئيس شمعون فلم يكفه التخلّي عن عهده مع الحلفاء والشركاء والداعمين له بل اتجه وجهة أخرى في البعد عن العرب كل العرب إلا الذين يأتمرون بأوامر حلف بغداد ومشروع إيزنهاور السيئ الذكر والحاكمين يومها في بغداد وعمان فاستجلب كل القوى العالمية المعادية للعرب لتجري اختباراتها في لبنان ومحيطه متناسياً ما كان عليه القائد الكبير جمال عبد الناصر من مكانة في عقول العرب وأفئدتهم بتسجيل أولى بوادر النهضة العربية في الصمود والقتال في حرب السويس الشهيرة عام 1956.

أما لبنانياً ففي ربيع 1957 إتسعت رقعة المعارضين لعهد الرئيس شمعون وتشكلت جبهة الإتحاد الوطني من شخصيات قائدة ومرموقة على مساحة كامل الوطن وكانت تضم في صفوفها: صبري حمادة- صائب سلام- عبدالله اليافي- حسين العويني- أمين بيهم- حميد فرنجية- نسيم مجدلاني- علي بزي- عبدالله الحاج- فؤاد عمون- فيليب تقلا- أحمد الأسعد- الأمير نهاد إرسلان- شفيق الوزّان- فؤاد الخوري وغيرهم.
وكانت تحظى بدعم رشيد كرامي وكمال جنبلاط والحزب التقدّمي الإشتراكي وجميع الأحزاب السياسية المعارضة للحكم.


وكانت الجبهة قد حدّدت مطالبها في مهرجان إنتخابي في الطريق الجديدة في 12 أيار 1957 بلائحة يصح طرحها اليوم:
1- العودة بلبنان إلى سياسة التعاون النزيه بينه وبين البلدان العربية الشقيقة.
2- المحافظة على نظام الحكم الجمهوري الديمقراطي البرلماني ومحاربة الطغيان.
3- الدفاع عن الحريات العامة التي يقرها الدستور.
4- إعلان حياد لبنان عن النزاعات العسكرية في محيطه.

هذا أبرز ما جاء في لائحة المطالب:
لم يلتفت الرئيس شمعون لهذه النداءات وكان متأثراً بقوى مسيحية متطرّفة وبمعادلة عربية خاطئة كانت تنصحه بتغيير القيادات اللبنانية التي يواليها الناس وتلبي طموحات الشعب، فأجرى إنتخابات 9 حزيران الشهيرة وأتى على سبيل المثال بقاض إسمه رضا التامر من أخصائه لمحاربة كامل الأسعد في مرجعيون- حاصبيا ولآل الأسعد هوى جنوبي ناتج عن تزعمهم لمحاربة الفرنسيين سنة 1920 كما جيئ بغيره من أزلام العهد وكانت النتيجة خسارة مدوية لزعماء المعارضة: كمال جنبلاط وأحمد الأسعد وصائب سلام وعبدالله اليافي وغيرهم، والنتيجة حصلت سنة 1958 بعد أقل من سنة على هذه الإنتخابات. وتحول فتى العروبة الأغر إلى المتن مرشحاً عن دائرتها ولاجئاً فيها.
ولو عدنا إلى المراحل الأخيرة من حياة الرئيس شمعون الذي آل على نفسه الحياد في حرب الجبل وخاطب بكل صراحة وفد الأعيان الشوفيين برئاسة المرحوم الشيخ حليم تقي الدين معترضين على صعود القوات اللبنانية إلى الجبل والشوف تحديداً: أنا غير موافق على ما يفعله الشيخ بشير !!!

بالمقابل كان رد الشريك بعد الحرب الأليمة والمؤلمة:
1- أن بقيت ديرالقمر عامرة مأهولة.
2- شُيع المرحوم داني شمعون بدموع أهالي بعقلين كما ديرالقمر.
3- إنتخب جورج ديب نعمة وبعده الرئيس دوري شمعون على لائحة المصالحة الوطنية ومازال وحزبه حليفاً وصديقاً للشريك الوطني.
إحدى وستون سنة مرّت على صلف وتعنت العهد الشمعوني سنة 1957 ولا يريد أحد ما أن يستفيد من دروس الماضي ويُعيد الكرة الديمقراطية إلى ملعبها مع الشريك الحائز على تفويض الناس رغم غرابة القانون الإنتخابي.
الأمر بغاية البساطة حصة الدروز 8 نواب و3 وزراء لماذا يجتهد الجهابذة والمتسلطون والأعوان على وضع معيار أن لكل 4 نواب وزيراً وبذلك تتدنى حصة الدروز إلى وزيرين فقط، أما الوزير الثالث فلمن يكون؟
على ما يبدو تتجرّأ الحاشية ورئيسها على قضم هذا المقعد وأخذه جائزة ترضية لرئيس الجمهورية.

فهل ما يجري ينطبق على معايير العدالة بين المكونات الأساسية البانية للبلد ولفكرته؟

أهكذا تسلب الكيانات حقوقها بأساليب الكيد والثأر الدفين والإستفزاز!