الأزمة الأوكرانية وميزان الربح والخسارة

03 آذار 2022 11:34:19

أغلبية الدول والرأي العام العالمي ضد حصول الحرب في أوكرانيا، ويرى هؤلاء مخاطر كبيرة من جراء استمراراها بما قد يهدد السلم العالمي برمّته. والمتعاطفون مع الحكومة الأوكرانية لا يرغبون في التدخل العسكري لمساعدتها، كما أن المتفهمين للموقف الروسي لا يُبدون أي حماسة للمشاركة إلى جانبها في هذه الحرب، بل يدعون إلى سلوك طريق الحل السلمي والمفاوضات.

 وارتاح العالم لبدء جلسات الحوار بين روسيا وأوكرانيا على الحدود مع بيلاروسيا، لكن القلق ما زال قائماً من احتمال عدم نجاح المفاوضات، أو من أيّ مستجدات ميدانية تُطيح مساعي المفاوضات، خصوصاً في ظل توتر دولي لم يحصل مثله منذ أزمة صواريخ كوبا عام 1962.

 الظاهر في شروط فريقَي النزاع قد يكون سهل التحقيق، لأن أوكرانيا تريد وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الروسية إلى خارج الحدود، بينما مطالب روسيا المعلَنة هي حماية المواطنين الأوكرانيين من أصول روسية – خصوصاً في المناطق الشرقية - وسحب أوكرانيا لطلبها الانضمام إلى حلف «الناتو»، وتجريد الميليشيات التي تصفها روسيا «بالنازية» من السلاح، والاعتراف بضم جزيرة القرم. ولا يوجد في هذه العناوين معجزات غير قابلة للتحقيق، وقد تكون مطالب بديهية، نظراً للخصوصية التاريخية والجيوسياسية التي تحكم العلاقة بين البلدين.

 وما حصل خلال اقتتال الأيام الماضية كان له ارتدادات دولية واسعة، ومخاطره وتأثيراته ستكون كبيرة:
 روسيا خسرت صداقات مهمة جداً مع الدول الأوروبية كانت أسّست لها عبر 20 عاماً مضت، رغم الاختلافات التي حصلت حول أحداث جورجيا عام 2008، وبشأن الملف الليبي عام 2011، وعندما أقدمت موسكو على ضمّ جزيرة القرم عام 2014. 
 فالتعاون الاقتصادي بين روسيا والاتحاد الأوروبي لم يتوقف رغم العقوبات التي فرضها الاتحاد على روسيا بعد ضمّ القرم، واستمر التبادل التجاري بينهما في مجالات النفط والغاز والصناعات الالكترونية والزراعية. لكن موسكو، وعلى عكس ما يُشاع، ترى أن دول الاتحاد هي الخاسر الأكبر من الخلاف، لأنها ستفقد ميزة وصول الغاز النظيف والرخيص إلى أسواقها، والاستثمارات في هذا القطاع أغلبيتها أوروبية، بما فيها تكاليف خط «نورد ستريم-2» الذي أنشئ في السنوات الماضية. وروسيا تقول إنها تستطيع أن تستغني عن وارداتها من الاتحاد لكونها سلعاً ثانوية، كما لديها الأسواق البديلة لصادراتها النفطية في الصين والهند ودول أمريكا اللاتينية.
 دول الاتحاد الأوروبي ربحت من الحرب الأوكرانية وحدة الموقف، بعد أن وصل التعارض بين بعضها إلى مراتب متقدمة، كما أن العلاقات التضامنية مع بريطانيا عادت إلى الدفء الذي كان قبل خروج لندن من الاتحاد. لكن الدول الأوروبية خسرت في التوتر القائم مع روسيا هامش الاستقلال الاستراتيجي الذي كانت تبحث عنه في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، والحرب الأوكرانية أجبرتها على العودة إلى حضن الحماية الأمريكية، لأنها عاجزة بمفردها عن إقامة توازن عسكري ونووي مع روسيا. وفي الجانب الاقتصادي قد تكون أوروبا أكثر تضرراً من روسيا من النزاع، لأن روسيا أعلنت أن لديها بدائل مالية عن منظومة «السويفت»، وهي متفقة مع مجموعة من الدول الكبرى – بما فيها مع الصين – على فتح اعتمادات بعملات غير الدولار واليورو، ولن يزيد تأثير الحصار المالي الدولي على أكثر من 20% من حجم التبادل في أسواقها، وستعوض هذه النسبة أيضاً مع الوقت عندما يعتاد مواطنوها على الخيارات الجديدة.
 الولايات المتحدة هي الرابح الأكبر من الحرب الأوكرانية إذا ما بقيت وتيرة هذه الحرب ضمن الحدود المعقولة، لأن الساحة الأوكرانية بعيدة عنها جغرافياً، ولأنها استعادت الثأثير المطلق في حلفائها الأوروبيين الذين يحتاجون لمساعدتها العسكرية في مواجهة روسيا، وهي ستستفيد من تطوير العلاقات التجارية مع أوروبا بسبب الحرب، خصوصاً في مجال النفط والغاز بعد أن ارتفعت أسعار هذه السلع وأصبحت تلائم الاستثمارات الأحفورية الأمريكية المُكلفة، إضافة إلى استفادتها من التباطؤ الذي سيصيب الاقتصاد الصيني جراء ارتفاع أسعار النفط، إضافة لكون الحرب حيّدت الصين عن واجهة الصراع القطبي، والحرب أوقفت، حكماً، مسار التعاون بين روسيا وألمانيا الذي كانت تخشى منه واشنطن على المدى الطويل.
 وليس صحيحاً ما يظهر في المواقف عن رغبة أمريكية بهزيمة روسيا، فالمخفي من هذه المواقف؛ لا يحمل هذه الرغبة ولا يتوقعها، لكن البرجماتية الأمريكية كفيلة بالتعامل مع الهزيمة الروسية فيما لو حصلت - وهذا غير متوقع - لأن القيادات العسكرية الروسية تؤكد أن الجيش الروسي يلتزم بمحددات المهمة المطلوبة منه، وهو قادر على تحقيق إنجازات باهرة، إذا ما طلبت منه القيادة العليا ذلك.
 من المؤكد أن مساراً جديداً في العلاقات الدولية فرضته الحرب في أوكرانيا، وقد يؤدي إلى اصطفافات عمودية بين الدول الكبرى، ربما يكون لها طابع قارّي حاد، خصوصاً بعد أن أعلنت الصين تفهمها للمطالب الروسية، وقالت إن موسكو بالنسبة إليها أكثر من حليف.