زمن الرئيس بلا فخامة...

عزت صافي |

أمس، الخامس والعشرون من شهر نيسان الحالي، مرت الذكرى السادسة والاربعون لرحيل الرئيس فؤاد شهاب، وهي ذكرى رجل وتاريخ في مسيرة الجمهورية اللبنانية منذ بداية عصر الاستقلال.

هناك سلسلة كتب صدرت عن تاريخ هذا الرئيس الذي حفر اسمه على صخرة الاستقلال، بما يعني من الحرية، والديموقراطية، والنزاهة، والأخلاق الوطنية. 

ست سنوات أمضاها الرئيس الطالع من جيش تأسس، ونما وكبر في زمن الانتداب الفرنسي، قبل ان تؤول قيادته اليه في اليوم الاول من عهد الاستقلال (22 تشرين الثاني 1934). 

ونقيضاً لجميع قادة الجيوش العربية الذين إنقلبوا على رؤساء بلادهم، وتمركزوا في القصور، نافضين عن أكتافهم غبار الهزيمة في حرب 1949 مع العدو الاسرائيلي الذي إغتصب ارض فلسطين، ورفع عليها علمه، صمد الجنرال فؤاد شهاب في موقعه في الثكنة وعلى الحدود في مواجهة العدو المحتل، حافظاً الامن والحصانة لعهد الاستقلال. 

وفي حين راحت قيادات الجيوش العربية تبني "عروشها" في القصور (باستثناء القائد العظيم جمال عبد الناصر) وقف الجنرال شهاب حارساً على قصر "الاستقلال الوطني اللبناني" بقطع النظر عن وطنية الرئيس المقيم في القصر الجمهوري.

لكن، كان لا بد للشعب اللبناني من "إنقلاب" على الرئيس المقيم في القصر، وكان من كتلة الدستور والاستقلال، وقد فشل في ضبط أنصاره والحؤول بينهم وبين "صحن الجبنة" الذي تألبت عليه صقور الفساد والشبق للمال الحرام، والسلطة، والنفوذ على حساب القانون، والدستور، والذمة الوطنية، فكانت "ثورة الشعب اللبناني السلمية" على العهد ورئيسه، بقيادة كمال جنبلاط ورفاقه أركان "الجبهة الإشتراكية الوطنية"، وكانت ثورة مدنية سلمية، لم تطلق خلالها رصاصة، أو "ضربة كف"، بل صمود شعبي صامت في بيروت وجميع المحافظات اللبنانية، تمثلت فيه جميع الاحزاب السياسية الوطنية ودام يومين فقط، ومع طلوع فجر اليوم الثالث اعلن رئيس الجمهورية الشيخ بشارة الخوري استقالته، فتبلغته الجماهير المحتشدة في الساحات العامة في بيروت وجميع المناطق. 

وترددت أصداء النصر الشعبي الوطني السلمي في لبنان وجميع الاقطار العربية.

وصبيحة ذلك اليوم تردد تساؤل صامت بين الجماهير: لو كان "العرف" اللبناني يجيز إنتخاب رئيس غير ماروني، أما كان كمال جنبلاط هو الرئيس؟؟

وللتاريخ الذي لا بد للاجيال اللبنانية ان تعرفه، هذه النبذة من زمن "الجبهة الاشتراكية الوطنية". فبعد ساعات قليلة من إعلان إستقالة الرئيس الشيخ بشارة الخوري عقدت "الجبهة الاشتراكية الوطنية" اجتماعها الطارئ في مركز الحزب التقدمي الإشتراكي في بيروت (شارع مارون النقاش في الجميزة)، وقد وصل كمال جنبلاط الى المركز مرفوعاً على الاكتاف من "ساحة البرج" الى الدرج العالي حتى الباب. وهو اذ جلس على مقعده الى رأس الطاولة كان اركان "الجبهة" السبعة يتطلعون اليه بانتظار ان يفتتح الجلسة، وهو كان جالساً مشدوداً بقامته الى فوق، وباصابع يديه يفتل قلم رصاص، وهو صامت، ونظراته مركزة على ورقة بيضاء امامه...

وبسرعة كسر كميل شمعون التوتر وتوجه الى كمال جنبلاط قائلاً: مبروك فخامة الرئيس...

وكما لو ان كمال جنبلاط كان ساهماً في تلك اللحظات، او كما لو ان المباركة التي جاءته من الرجل الساحر بنظراته وابتسامته، قد صدمته، رفع رأسه، واتسعت عيناه لمعاناً، وزم شفتيه بابتسامة لطيفة، ثم قال على مهل... كلمة...كلمة: 

"انا الرئيس... وغيري راح يكون صاحب الفخامة"...

وساد الصمت في القاعة، فيما كان هدير الجماهير في الشوارع المحيطة بالمركز يتردد: جنبلاط...جنبلاط...

"مبروك فخامة الرئيس"... كلمات ثلاث قالها شمعون لجنبلاط وكأنها جاءت إختصاراً لخيار اغلبية الشعب اللبناني في ذلك اليوم، وكانت إقراراً حراً بأن النظام الدستوري اللبناني غير المكتوب لا يسمح بتحقيق خيار اغلبية الشعب في فرصة تغيير... 

...ثم كان لا بد لكمال جنبلاط ان يقول لكميل شمعون في جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية يوم 23 ايلول 1952: مبروك فخامة الرئيس... 

وفي ذلك اليوم ازدانت ساحة دير القمر، بيافطات امتدت على طول  الطريق الى قصر الرئاسة في بيت الدين، وعليها كلمات ذلك الحداء الشعبي الذي كان يتردد في الاودية:

بالدير شعشع يا قمر
حيي البلاد وجيلها
بمحبتك ربي أمر
كمالها وكميلها...

والتاريخ يذكر ان كمال جنبلاط كان يميل الى ترشيح قائد الجيش الجنرال فؤاد شهاب، وفاء له على موقعه الوطني بحماية ارادة الشعب الذي أرغم الرئيس الشيخ بشارة الخوري بالاستقالة السلمية الديموقراطية، لكن ذلك الجنرال الشهم كان حارس الديموقراطية اللبنانية، على علاتها، ولذلك إعتذر عن عدم قبول الرئاسة في تلك المرحلة، بالرغم من الالحاح عليه، من كمال جنبلاط، ومن الرئيس الشيخ بشارة الخوري، وكان عذره: لا اريد ان افتح هذا الباب امام الجيش اللبناني...

لكن الجنرال عاد وقبل مهمة الواجب الوطني بعد الثورة الشعبية التي قامت في لبنان قبيل نهاية عهد الرئيس شمعون، وكان كمال جنبلاط على رأس تلك الثورة الديموقراطية الوطنية الاصلاحية التي انتصرت...

وذات يوم شهدت الطريق من المختارة الى جونيه، حيث منزل الرئيس فؤاد شهاب، موكب سيارات تتقدمه سيارة ترفع بيرق الامير فخرالدين المعني الكبير...

...كان في تلك السيارة كمال جنبلاط الذي ترأس وفد من الحزب التقدمي الاشتراكي لتهنئة الرئيس فؤاد شهاب بقبوله منصب الرئاسة.