هجوم جديد - قديم على جنبلاط: لن ينالوا..

23 شباط 2022 10:00:00 - آخر تحديث: 23 شباط 2022 17:22:25

عند كل استحقاق سياسيّ أو إنتخابيّ، تتركّز محاولات الهجوم السياسيّ على وليد جنبلاط. يشكّل الرجل رقماً صعباً في المعادلة اللبنانية. حتّى خصومه يحاولون إضعافه تارة، ويحاولون استمالته أطواراً. ويصرّون على مهاجمته لعلّ ذلك يساعدهم في تحصيل المزيد من الحضور السياسي أو المعنوي.

ليست المرّة الأولى التي يعمد مجهولون – معلومون إلى توزيع شائعات عن مواقف ينسبونها إلى وليد جنبلاط، ممهورة بأختام اللعبة الأمنية البعثية إيّاها، في سبيل تصويره كأنّه في حالة ضعف وتراجع، أو في حالة هستيريا سياسية، "خوفاً على المصير والوجود والحضور والدور". وآخرها ما وزّع زوراً عن لسانه، دون أيّ تسجيل أو شهود، ونسب إليه هجومه على نجله تيمور (!!) وعلى المملكة العربية السعودية وعلى الرئيس الأميركي والمجتمع المدني، وتصويره خائفاً من وئام وهاب.

اللعبة أصبحت معروفة ومفضوحة: عند كل استحقاق، يتم اختلاق كلام منسوب للرجل ويضاف إليه "مؤثّرات صوتية"، حول طريقته في النطق "وهو يحتسي الفودكا" أو غيرها، في محاولة لتصويره بطريقة سلبية.

هؤلاء حتماً لا يعرفون جنبلاط، ولا كيف يفكّر. يتناسى هؤلاء أنّ الرجل "يجوهر" في لحظة المعركة. يبهر المشاهدين والمراقبين في ابتكار خطط الدفاع والهجوم، وكيف يتوقّع الأسوأ، كي يتفاداه، فيصير كل ما يأتي دون التوقّعات. اللعبة لديه ليست بالأرقام ولا بالأعداد. فكمال جنبلاط خضع لقانون إنتخابي في الخمسينيات خلال عهد الرئيس كميل شمعون، وكان هدف القانون حصراً إلحاق الخسارة بالمختارة، وإسقاط كمال جنبلاط في الإنتخابات. ونجح في ذلك. لكنّ الدور بقي وتوسّع إلى يومنا هذا. ثم كانت ثورة العام 1958. ووليد جنبلاط، بكتلة نيابية من 15 نائباً أو 10 أو 6، سيبقى صاحب الدور الذي ترتكز عليه توازنات سياسية هو أحد أبرز صانعيها.

صحيح أنّ تراجعاً حصل في البيئة الدرزية، وأخطاء كبرى ارتكبها محيطون بجنبلاط، نزولاً عند حسابات شخصية أو مصلحية أو بسبب ضيق الأفق وافتقاد الرؤية الواسعة، وانعكست بشكل سلبي في الأوساط الشعبية. هذا ما سمح لقوى المجتمع المدني بأن تبرز حضوراً في الشوف والجبل. لكن ذلك لا يمكن أن يكون له أثر سياسي على التوازنات. لأنّ المسألة ترتبط بثقل تاريخي، وقدرة على الحركة قل نظيرها. ومن أراد استهداف جنبلاط في هذا التسريب، كان هدفه خلق شرخ داخل البيئة الجنبلاطية، من خلال التصويب على آلية الترشيحات أو إصرار جنبلاط على ترشيح مروان حمادة في الشوف وأكرم شهيب في عاليه. كما أرادوا افتعال مشكلة بين جنبلاط والقوات اللبنانية، في محاولة للتأثير على المزاج الشعبي للناخبين، بالإضافة إلى محاولة فتعال مشكلة مع دول الخليج وتحديداً مع المملكة العربية السعودية لأنّ الطامحين كثر لذلك.

طبيعة الدورز هي السرّ

مشكلة خصوم جنبلاط أنّهم لا يعرفون الطبيعة الإجتماعية والنفسية للدروز، الذين لا يؤيدون غير القوي. ولا يمكن لهم أن يمنحوا الولاء لشخصية مُلحقة بتحالف أو بحزب أو بقوّة من طائفة أخرى، طمعاً بتحقيق مكسب إنتخابي أو وجاهة سياسية. ولا يمكن لأيّ شخص متعدّد المواقف متلوّن الولاءات ويحاول إبراز نفسه كيفما اتّفق، يحاول أن يبني زعامة بالحصول على مساعدات من هنا أو هناك، من هذه الدولة أو ذلك الجهاز.

أهمية جنبلاط في المعادلة السياسية اللبنانية أنّه يعرف البلد جيداً، لا يخطئ التقدير، ولا يسمح لنفسه بالتعدي على الآخرين بفرض ما يريده عليهم. ويعرف أنّ البلد لا يمكنه أن يكون على فالق الإنقسام العربي او الدولي. قيمته أنّه أبرز رافضي تحالف الأقليات ونظريته الجهنمية، والأحرص على العلاقة مع السنّة، لبنانياً وعربياً.

 

أهمية جنبلاط في المعادلة السياسية اللبنانية أنّه يعرف البلد جيداً، لا يخطئ التقدير، ولا يسمح لنفسه بالتعدي على الآخرين بفرض ما يريده عليهم

 

11 حقيقة تاريخية

من يتوهّم ضعف جنبلاط، لا بدّ من تذكيره بجملة مصائب سياسية تخطّتها المختارة:

أولاً: عايش الرجل الكثير من المعارك السياسية والعسكرية والجسدية بدأت مع اغتيال والده كمال جنبلاط، وصولاً إلى محاولات اغتياله شخصياً. لكنّه بقي وصمد.

ثانياً، لحظة انتخاب بشير الجميل مثّلت هزيمة سياسية وعسكرية للمشروع الذي كان يناصره جنبلاط. لكنّها لم تستمر، ولم تؤتِ أُكُلِها.

ثالثا، بعد الإجتياح الإسرائيلي للبنان ومحاصرته في قصر المختارة، صمد وأكملَ.

رابعاً، بعد هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية وخروجها من بيروت، كان الردّ بإعلان تشكيل "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" وكان جنبلاط أحد أعمدتها.

خامساً، بعد هزيمة اتفاق 17 أيّار 1983، كان الردّ بانتفاضة 6 شباط 1984. التي كان شريكاً فيها.

سادساً، حرب الجبل التي حصلت في أعقاب الإجتياح الإسرائيلي وخروج منظمة التحرير. عاد وانتصر فيها.

سابعاً، فرض النظام السوري الإتفاق الثلاثي، فتحفّظ جنبلاط ولم يوقعه إنطلاقاً من رفضه "تحالف الأقليات"، إلى أن تغيّرت المعادلة مع اتفاق الطائف والمشروع السعودي ومشروع رفيق الحريري لإعادة الإعمار.

ثامناً، بعد انتخاب إميل لحود رئيساً للجمهورية، وبدء حقبة بشار الأسد في سوريا، الذي أراد الاقتصاص من جنبلاط ورفيق الحريري، كانت قرنة شهوان والمطالبة بإعادة التموضع السوري ومصالحة الجبل بين البطريرك الماروني وجنبلاط.

تاسعاً، بعد محاولة اغتيال مروان حمادة واغتيال رفيق الحريري، رفع جنبلاط راية ثورة الإستقلال، وحرص على إبقاء بيت آل الحريري مفتوحاً لاستكمال المشروع السياسي.

عاشراً، بعد أحداث 7 أيار حاول حزب الله تكريس انتصار لم ينله عسكرياً ولا سياسياً. واستعيد التوازن، ثم كان الإنتصار على الحزب في انتخابات 2009.

حادي عشر، بعد هزيمة الثورة السورية والتآمر الإقليمي والدولي عليها، وسعي النظام السوري لإعادة البحث عن دور وتأثير في لبنان من خلال اختراق البيئة الدرزية، واجه جنبلاط المخطّط وأفشله بنفسه في انتخابات مشيخة العقل الدرزية العام الماضي.