توازنات دولية جديدة

23 شباط 2022 08:41:53

أدى الحراك الدولي الأخير الذي تمحور حول الملف الأوكراني إلى توازنات جديدة، وأظهر فرزاً واضحاً بين القوى الكبرى، وأعاد الاستقطابات المحورية إلى سابق عهدها، بما يذكّر بحقبة الحرب الباردة التي سادت بين عامي 1946 و1990. والتباينات التي تظهر داخل اصطفاف كل من المحورين الشرقي والغربي لا تعدو كونها حالة من السباق إلى توفير مكانة متقدمة داخل كل محور، أو لتحقيق منافع اقتصادية ومالية إضافية لهذه الدولة أو تلك، من دون أن تخرج هذه الاختلافات عن التشخيص المشترك للمشكلة المطروحة وعن الإطار المحوري الجامع.

تلك حالة العلاقة بين الصين وروسيا، فهناك تعارض في المصالح في بعض الملفات، أو في مقاربة في بعض الأزمات، لكن القمة الأخيرة التي حصلت بين الرئيسين فلاديمير بوتين، وشي جين بينج في 4 فبراير/شباط على هامش افتتاح دورة الألعاب الأولومبية الشتوية التي استضافتها بكين، أكدت وجود تحالف استراتيجي بين الدولتين الكبيرتين، وأطلقت القمة ما يشبه إعلان ولادة للمعسكر الشرقي الجديد، وذلك بدا واضحاً من خلال الاتفاقيات الكبيرة التي حصلت بين البلدين في ملفات الأمن والمستقبل في أوروبا، وفي منطقة الهند  باسيفيك، وحول مرتكزات النظام العالمي ومستقبله. وأكد البيان الختامي المشترك الصادر عن القمة، التعاون الاستراتيجي في ما يتعلق بالطاقة وتكنولوجيا الفضاء، والبدء بتنفيذ خط غاز جديد يمتد من روسيا إلى الصين، وينقل ما يزيد على 10 بليون متر مكعب سنوياً، وهو ما يساوي 25% من الإنتاج الإجمالي الروسي.

أما في الجانب الغربي، فإن التباينات التي حصلت بين فرنسا وألمانيا من جهة، وبين الولايات المتحدة من جهة ثانية، حول الملف الأوكراني، لا تعني أن المعسكر الغربي متصدع، فهؤلاء جميعاً يتضامنون في مواجهة روسيا بعد تسريب معلومات عن نية الأخيرة غزو أوكرانيا، وحصل ما يشبه توزيعاً للأدوار بين فرقاء التحالف الغربي، على الرغم من تعارض بعض المصالح بينهم، خصوصاً أن ألمانيا على وجه التحديد، تحتاج إلى الغاز الروسي النظيف والرخيص والذي يصلها بسهولة، وفرنسا لا توافق على تفاصيل كثيرة من الرؤية الأمريكية.

من الواضح أن السياسة الأمريكية الجديدة تدفع باتجاه فرز للقوى على الساحة الدولية، وإنتاج توازنات جديدة تسهم في محاصرة الاندفاعة الاقتصادية والتكنولوجية الصينية، وتطويق السباق الذي أطلقته روسيا في مجال تطوير الصواريخ التي تتعدى سرعتها سرعة الصوت على وجه الخصوص. 

وإنتاج توتر دولي يشبه الحرب الباردة، يساعد في تقويض التعاون بين الشرق والغرب، ما يؤدي إلى تقليص حجم الاختلال في الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وبين روسيا والاتحاد الأوروبي، وهو حالياً يميل لصالح الصين وروسيا.

وفي الجانب الآخر من الأزمة، فقد تبين أن التوتر الدولي زاد من مستوى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يؤدي إلى ضغوط كبيرة على نمو الاقتصاد الصيني الذي يحتاج إلى كميات هائلة من هذه المادة الحيوية، وتأثُر أوروبا بهذا الارتفاع أقل حجماً، وقد لا تنزعج الولايات المتحدة من بعض التباطؤ في الاقتصاد الأوروبي أيضاً، لأن قيمة الدولار تتراجع أمام اليورو.

وهناك ملامح واضحة تؤكد خيارات الدول العظمى في استخدام أحجام القوى العسكرية في فرض الهيمنة على الدول النامية، وفي استثمار العوامل العسكرية لمصالح مالية واقتصادية، ويتضح ذلك من خلال تنامي المناورات العسكرية الكبيرة التي تجريها جيوش القوى الكبرى. 

ومنها على سبيل المثال، المناورات التي أجرتها بحرية حلف الأطلسي في البحر الأبيض المتوسط، مؤخراً. وكانت روسيا قد انتهت للتو من إجراء مناورات في البحر الأسود، أعقبت أيضاً مناورات أطلسية.

استعراض القوة بين المعسكرين الشرقي والغربي له أهداف غير معلنة، والخطر من غزو روسي لأوكرانيا لم يكن حجة دامغة للاستنفار الأمريكي والغربي. فالرئيس الروسي أكد ألا نية لبلاده باجتياح أوكرانيا، كما أنه لم يعترف باستقلال مقاطعتي دونيتسك ولوجانسك، والرئيس الأمريكي جو بايدن تراجع عن بعض مواقفه التي كانت تؤكد حصول هذا الاجتياح في 16 فبراير/شباط، لكنه ما زال يشكك في نوايا روسيا.

مناورات سياسية دولية كبرى رافقت المناورات العسكرية، وأفرزت موازين دولية جديدة قد تؤسس لحروب باردة تستخدم على القطعة، بعد أن تراجعت الهستيريا الاستقطابية حول ملفات الإرهاب.