لهذه الأسباب يؤرقهم جنبلاط

31 كانون الثاني 2022 17:51:31 - آخر تحديث: 01 شباط 2022 13:32:19

غريبٌ كيف أنّه بعد كل موقف أو إطلالة إعلامية لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، تطالعنا مقالات ومواقف تحمل أسماءً وهمية، وعلى الأغلب لعدم قدرة كاتبها، أو الجهة التي تقف وراءه عن مواجهة جنبلاط بالوقائع الحقيقية وغير المشوّهة، والمدسوسة تماشياً مع رغبة مطلقها.

وفي أحدث الصيحات الفقاعية، اعتبار جنبلاط معزولاً في إقليم الخروب ومتخبّطاً، نتيجة إعلان الرئيس سعد الحريري تعليق عمله، وعمل تيار المستقبل السياسي، وعلى هذا نورد التالي:

يبدأ كاتب المقال، المدّعو "اسماعيل النجار"، بالقول إنّ، "جنبلاط وأمثاله"، متناسياً أنّ القاصي والداني يعترف أنّ لا مثيل لوليد جنبلاط بين أقرانه من السياسيين ثقافةً، وحنكةً، ومعلومات، وقدرةً على قراءة المتغيّرات والتأقلم معها. وهذا ما ردّده جنبلاط نفسه مراراً بالقول إنّ السياسة ليست ثابتة بل متحركة. فإذا كان تحرّك جنبلاط يزعج البعض ويؤرّقه، فهذا لأنّ التفكير الشمولي، والتصرّف المناسب لهذا التفكير، لا يحسن قراءة ما يدور في الأفق والمحيط، فيستمر على ثبات عقيدته التي يفترض أن تكون قابلة للتطور.

أمّا بالنسبة لتمسّك جنبلاط بموقعه، وعدم التنازل لنجله تيمور، فقد سها عن كاتب المقال أنّ جنبلاط الأب لا يتوانى عند كل مناسبة عن التذكير بأنّ المستقبل أصبح رهناً لتيمور، وهذا التمازج القائم هو نهج فريد في مقارعة الحياة السياسية على قاعدة التشاور.

ثمّ، لا داعٍ للتذكير بأنّ اللّه العلي العظيم هو الحامي، فمن نافل الرد على ما زعمه الكاتب بأنّ جنبلاط اضطرّ للاحتماء تحت جناح سمير جعجع، والتاريخ يشهد على ما كان بين الرجلَين من صولات وجولات. لكن إذا كان الالتقاء انتخابياً، لأسباب تتعلق بتلاقٍ على عناوين عريضة، ولوعي جنبلاط وحرصه، كما حرص جعجع على الحياة المشتركة في منطقة الجبل، فيقيني أنّ ذلك يسبّب إزعاجاً للكثيرين، ويبدو أن كاتب المقال، أو مَن خلفه من المنزعجين كثيراً من هذا الواقع.

وليطمئنّ الكاتب ومن يقف خلفه، فإنّ تاريخ إقليم الخروب "السنّي" الناصع يشهد على المكانة الكبيرة والوفاء الأكبر الذي يحمله لدار المختارة. والإقليم العربي والوطني لم يتخاذل يوماً عن تلبية نداء الواجب تجاه آل جنبلاط وطائفة الموحدين الدروز عموماً، فليخيّط مَن يسعى إلى رمي شبكته في المياه العكرة بغير هذه المسلّة، فلن ينفصل إقليم الخروب عن الشوف، ولن يستبدل راية الحزب التقدمي الاشتراكي براية صفراء أو برتقالية.

وإذا كان للكاتب بعضاً من رواسب العلوم الطبيعية في ذاكرته، فليتذكّر أنّ الطبيعة تكره الفراغ، وتعليق الرئيس سعد الحريري لنشاطه السياسي لن يشتّت أصوات السنّة كما يزعم، فالطائفة السنّية لديها الوعي الوطني الكامل شعبياً وبين فاعلياتها، ستتمكن من خلاله منع أي مصطادٍ في الماء العكر من الاستثمار الخبيث في الفراغ الكبير الذي يشكّله ابتعاد الحريري.

وعندما وصل الكاتب إلى مرحلة "الكشف عن قرعته ليخيفنا"، فشل... إذ بالتأكيد أنّ، "حزب اللّه" جاء بباخرتَي مازوت على ما روّج أمينه العام، السيّد حسن نصراللّه. والأكيد أكثر أنّ الحزب وأدواته حاولوا التسلّل عبر هداياه المازوتية المسمومة إلى الجبل لأنّه "لم يخلّف جنبلاط ونسيه". لكنّه فشل كما سيفشل مرة ثانية وثالثة هو وكل من يحاول أن يمدّ يده على الجبل سواءً بالمازوت أو غيره، والأمثلة على ذلك كثيرة.

وغريبٌ كيف أنّ لبنان الذي يعيش على حافة قعر جهنّم، بسبب خيار حزب اللّه المشؤوم بإيصال ميشال عون إلى بعبدا، هو بالنسبة للكاتب بألف خير، بعيداً عن عطاءات الخليج عموماً والمملكة العربية السعودية خصوصاً. وغريبٌ كيف أنّ الكاتب، الذي على الأرجح لم يكن قد وُلد هو أو حزبه بعد في العام 1984، لا يستطيع أن "يبلع" الحقيقة الراسخة أنّ وليد جنبلاط وحزبه، بالتكافل والتضامن مع حركة أمل ورئيسها نبيه بري، كانوا وراء إسقاط اتفاق 17 أيار، وفتح طريق الجنوب أمام المقاومة الوطنية ضد إسرائيل المحتلة، فلا داعٍ لتكرار شواهد التاريخ التي لم "تبلع" هذه الحقيقة.

وأمّا محاولة التذكير بالأيام المشؤومة التي بدأت في 7 أيار وانتهت في 12 منه، فالجبل وقف صامداً عنيداً بكل أبنائه، وعلى اختلاف مشاربهم، بوجه القوة التي بالغ حزب الله في إيهام جمهوره بأنها تمكّنت من دحر إسرائيل وانتصرت عليها، لكنّها فشلت على أبواب الشويفات. فلتكن هذه الذكرى عبرةً لمن اعتبر.

ليس مطلوباً المساجلة بين الكاتب الذي يناصر حزب الله وبيني، أنا الذي أفتخر بانتمائي الحزبي والسياسي في هذه الأيام العصيبة. والكل يعلم دون أي شك بأنّ حزب اللّه هو أحد، أكرّر أحد، وليس كل، مسبّبي ما وصلنا إليه. لكن، فليكن معلوماً أنّ لكل مقالٍ مقام، وكلّما كتبتم كتبنا، واللّه ولي التوفيق.