"لعنة" الطبيعة بعد لعنة الأزمة: "تسميك" الملابس واحتضان البطانيات

27 كانون الثاني 2022 07:46:25

الصّراع الافتراضي بين محبّي الشّتاء والصّيف عند كل عاصفة ثلجية أو موجة حرّ صار عبثياً. الشتاء في لبنان لم يعد يرتبط بـ «الشيمينيه» أو بالكستناء ورجل الثلج والموضة الشتوية... بل بـ«تخبّط» اللبنانيين لتأمين وسائل التدفئة، والملابس الصّوفية التي تقيهم بعضاً من الصّقيع، و«البطّانيات» التي يحتضنونها بديلاً عن صوبيات المازوت أو الحطب، والأدوية التي تعالج نزلات البرد والرّشح عندما يفشلون في تأمين كل ما سبق...

يستهلك اللبنانيون في المناطق الجبلية عادة حوالي خمسة براميل من المازوت خلال موسم الشتاء. هذا العام، لامس سعر البرميل الأربعة ملايين ليرة، ما دفع كثيرين إلى «تقنين التدفئة» بعد «تقنين» الكهرباء. فاطمة، مثلاً، أشعلت مدفأة واحدة في منزلها في البقاع خلافاً للسنوات السابقة، و«نحاول ألا نطيل في السهر لنوفّر المازوت». ولأن شقيقيها لا قدرة لهما على تأمين برميل مازوت كل شهر «قررا دمج العائلتين في منزل واحد وتقاسم سعر البرميل بينهما ريثما ينتهي الشتاء».
يؤكّد رئيس بلدية بقرصونا في الضنية نشأت شندب لـ «الأخبار» أن «كثيراً من العائلات الفقيرة في البلدة لا تملك أي وسيلة تدفئة». ظهرت مبادرات فردية «ضئيلة» لمساعدة هذه العائلات، و«حصلت 350 عائلة على المازوت الإيراني المدعوم من أصل 596 عائلة طلبته». وإذا أضفنا عدد العائلات التي تقدمت بالطلب بعد انتهاء المهلة، «يكون هناك 350 عائلة محتاجة لم تحصل على المازوت المدعوم للتدفئة، عدا عن عائلات لم تطلبه أصلاً لأنها لا تستطيع تسديد ثمنه البالغ مليونين و300 ألف».
خلال العاصفة الحالية، وصلت درجة الحرارة في بقرصونا التي ترتفع 1200 متر عن سطح البحر إلى أربعة تحت الصفر، وأغلقت الثلوج الطرقات. فـ«لم يخرج المياومون، وهم كثر، إلى عملهم، علماً أنه من لا يعمل منهم لا يأكل ولا يتدفأ لأن كلفة الخمسة ليترات من المازوت التي يحتاجونها يومياً تصل إلى 80 ألف ليرة»، على ما يقول شندب. بعض الميسورين في البلدة خزّنوا حاجتهم قبل أن يطرق البرد أبوابهم، والبعض الآخر «يخرج كل يوم من بيته تحت المطر ليشتري قنينة من المازوت مقابل 50 ألف ليرة»، بحسب مصباح بكّور، صاحب محطة وقود في البلدة.
وفقاً لبكّور، «تراجع مبيع المازوت هذا العام مقارنة بموسم الشتاء في العام الماضي حوالي 60%». ويعود ذلك إلى «الارتفاع الكبير في سعر الصفيحة ما دفع كثيرين إلى جزّ أشجارهم للتدفئة».

من ينخر البرد أجسادهم سيتخلّون عن الأشجار في حدائقهم، وقد يصل بهم الأمر إلى سرقة أشجار من حقول آخرين للتدفئة. يلفت فراس، وهو بائع حطب في الجنوب، إلى أن «بيع الخطب ازداد لأنه أوفر من المازوت ويدفّي أكثر». تحتاج العائلة إلى حوالي متر من الحطب شهرياً، كلفته «مليون و400 ألف، ما يعني أنه أوفر من المازوت بمليونين». لكن نظراً إلى كلفة التوصيل المرتفعة، تبقى التدفئة بالحطب حكراً على من يملك مساحة لتخزين كميات كبيرة منه.

صحيح أن «لعنة» الطبيعة تحلّ على القاطنين في المناطق الجبلية وتلك المرتفعة عن سطح البحر، لكن العواصف المتتالية التي تضرب لبنان أربكت حتى سكّان المدن الساحلية المعتادين على مدفأة الغاز أو الكهرباء. فـ«سعر قنينة الغاز تجاوز الـ 400 ألف ليرة، وكهرباء الدولة لا نراها، والتعرفة العالية للاشتراك في المولدات الخاصة أجبرتنا على تسميك الملابس واحتضان البطانيات».