الوزير المعاكس من "أهل البيت"

عزت صافي |

من زمن الرئيس السوداني المخلوع أخيراً عمر البشير أنه طلب ذات يوم من قيادته أن تنظم له جولة يقوم بها على الأقاليم الفقيرة التي تعاني العوز والجوع ليتفقد أحوالها ويطلع على أوضاعها ومطالبها. وكانت الجولة الاولى في الاقليم الأقرب إلى العاصمة (الخرطوم) وهناك واجه البشير الجماهير التي ملأت الميدان على مد النظر، وهو لم يكن مستعداً لخطاب، إنما كان يقصد اللقاء مع المسؤولين والوجهاء ليطلع على أحوالهم، ويستمع إلى شكاواهم ومطالبهم ببساطة وإختصار. لذلك قرر أن يطرح على الوجهاء سؤالاً واحداً بسيطاً ليسمع منهم الجواب.

وكان السؤال التالي: ماذا تفضلون أن تأكلوا: اللحمة، أو الفول؟!.

وتتطلع الوجهاء بعضهم إلى بعض، وتبادلوا السؤال بالنظرات وعلامات الاستفهام والتعجب، ثم قال كبير الوجهاء للرئيس مستفسراً: إيه يعني اللحمة؟!

وختم البشير لقاءه مع ذلك الحشد الشعبي، وإنتقل مع قيادته إلى إقليم آخر حيث كان في إنتظاره حشد هائل يتقدمه كبير الوجهاء، فسأله المشير: ماذا تفضلون أن تأكلوا، اللحمة، أو الفول؟!

وإرتسمت إبتسامة تعجب على وجه كبير القوم وهو يجول بنظره على من حوله، ثم قال بلهجة حادة وساخرة: إيه يعني الأكل؟!

...وكان أن قفل المشير عائداً إلى قلعته المحصنة التي إنهارت أخيراً أمام ثورة الشعب السوداني...

في لبنان اليوم حملة على الفساد طلباً للإصلاح الذي يرقى إلى مرتبة رغيف الخبز بالنسبة إلى اللبنانيين، وهو مطلب يعود تاريخه إلى نحو خمس وسبعين سنة مضت، وقد تناوب خلالها على القصر الجمهوري أحد عشر رئيساً، وكان الإصلاح الإداري البند الأول في لائحة مطالب الشعب، ويمكن القول ان الرئيس الذي وضع أسس الإصلاح وبدأ تنفيذه كان الرئيس فؤاد شهاب، ولبنان اليوم في عهدة الرئيس الاستقلالي الثاني عشر، والموضوع – القضية الاولى أمامه: الإصلاح... أي القضاء على الفساد ونقل البلاد والدولة إلى عهد جديد مع التذكير بأن عهد الرئيس قارب منتصف الولاية، ولا يزال "الاصلاح" البند الأول في مشروعه الذي تضمنه خطاب الرئاسة يوم إنتخابه.

ماذا يعني الإصلاح، ومن أين يبدأ، وعلى اي قاعدة ومبدأ؟... اسئلة من نوع السؤال السوداني: "ما معنى الأكل"؟!

وأمام هذه العقدة جاءت مداخلة "إصلاحية" من حيث لم يتوقع المراقبون في الشؤون العامة، وخصوصاً "الإصلاح". وكانت المداخلة لوزير الخارجية جبران باسيل الذي أخذ المبادرة لتحديد "المدخل" إلى الإصلاح الذي يفترض أن يشمل كل قطاعات الجمهورية. إلا أن وزير الخارجية رأى البداية برواتب الموظفين من ذوي الرتب المتوسطة في قطاعات الدولة الذي طلب لهم تخفيض رواتبهم اسوة بموظفي الدولة الذين طلب لهم تخفيض رواتبهم اسوة بموظفي الرتب والمراتب العليا، إذ عليهم القبول بانهم لا يستطيعون الاستمرار على هذا المنوال، ومن يحزن لانه سيخسر نسبة معينة من التقديمات التي يحصل عليها، فليفكر، إذ لم نقم بذلك، فلن يحصل بعدها على شيء. وأضاف: إنتبهوا... إذا لم نخفض فلن يعود هناك رواتب، وإقتصاد، وليرة"!

ذلك "التهديد"، أو "التحذير" صدر عن وزير الخارجية، وليس عن وزير آخر معني بشؤون الخزينة والمال العام، ولذلك كان على وزير المال علي حسن خليل (حركة أمل) بالتكافل والتضامن مع "حزب الله" والحزب التقدمي الإشتراكي، أن يضع حداً للوزير الخارج على القواعد والأصول، متدخلاً في شؤون وقضايا ليست من اختصاصه، كوزير للخارجية، فضلاً عن "خلطه" السياسة، والاقتصاد، والامن، والإدارة، والثقافة، والصحة العامة، والدفاع الوطني، والبلديات، في محفظة واحدة.

وهنا بعض النماذج من أنشطته التي نشرتها جريدة "النهار" في صفحتها الاولى يوم 15/4/2019 نقلاً عن "حسابه" على الانترنت ذلك اليوم ومنها قوله كتابة:

"هناك من يجب أن ينبه الناس اليوم إلى أن التخفيض المؤقت، (على رواتب موظفي القطاع العام) إذا لم يحصل فلن يبقى معاش لاحد... ويضيف: "...وانا أقول للناس ألا يجوز النظر فقط إلى جيوبهم فهذا الأمر يجب أن يكون جزءاً ضئيلاً مما يجب تخفيضه في الدولة"... ثم ينبه: وإذا كان يجب البدء بالوزراء والنواب فليكن... ويتابع: في الموازنة هناك قرارات صعبة، ولهذا فالاكثرية صامتون، ولا يريدون أن يجعلوا من أنفسهم أبطالاً "على عكس موضوع الكهرباء"!.

لكن كانت هناك تعليقات كتّاب ونقّاد على مشروع الوزير باسيل، منها: "لماذا لم تأخذوا بنصائح وليد جنبلاط من قبل؟ مراراً، وتكراراً نبهكم إلى عدم السير في سلسلة الرتب والرواتب إن لم يتأمن موارد لها... أنتم شعباويون. قراراتكم شعباوية خاوية من المعنى...". (وائل ضو)

"المشكلة مش بالناس يا معاليك... المشكلة بمعاشاتكم، ومعاشات النواب السابقين، والمدراء العامين، وكثرة المستشارين، ولمعلوماتك فالمسؤول هو الذي يضحي في سبيل شعبه. يعني بالعربي: جميعكم تملكون مصادر تمويل من رأس الهرم إلى أصغر مدير، بمعنى: عدد شركاتك وإستغني عن معاشك الشهري. (إيلي جبرايل)

و... "بتسرقوا المال العام، وبالآخر بتقولو للمواطن: لازم تضحي... يا ترى إذا لغيتو سلسلة الرتب والرواتب رح تلغوا الضرائب يلي فرضتوها معها، أو خلص... الضرائب تبقى، وبتنضاف عليها ضرائب جديدة؟" (منال)

"معاليك، لازم يكون بلبنان 25 نائب، و 6 وزراء، ورئيس واحد، و 5 آلاف موظف غير الجيش، والدرك... وغير هيك كلو حشو...!، تحياتي... (...)

هذه نماذج من ردات الفعل الشعبية على عناوين "الخطة الإصلاحية" التي يبشر بها وزير الخارجية الذي يعرف، ويحفظ، نظرية الرئيس ميشال عون مطلق الدعوة إلى مباشرة إصلاح الجمهورية على قاعدة البدء "بشطف الدرج من فوق إلى تحت".

والمشكلة ان الوزير المعاكس من اهل البيت!.