فقهاء السياسة... وفائض القوة

21 كانون الثاني 2022 17:00:27 - آخر تحديث: 21 كانون الثاني 2022 18:02:15

 عُلّقت على جدران أماكن تاريخية وفكرية، وحتى سياسية، أو مكتبات عامة، لوحات تحمل عبارة "اعرف نفسك". وبين مكانٍ وآخر نجد اختلافاً في النظرة من حيث المرامي والأهداف لهكذا قول. ففيما يذهب البعض باتّجاه تمتّع الانسان باستقلالية تامة، والتطّلع إلى تطبيق مبدأ "اعرف نفسك بنفسك" ليكون حاضراً حضوراً قوياً في الحياة ومعنياً بسيرها، نجد آخر يقول: ليس من قويٍ إلّا وهناك من هو أقوى منه، أو ذكيٍ إلّا ويلاقي من  هو أذكى منه، ولا عالمٍ إلّا وهناك من هو أعلم منه، وصولاً إلى القول، "كل طامةٍ عليها طامة".
 
 ثمة من يرى في القول ما يفيد الحرية التي تُكتسب ولا تُعطى، لجعلها مبدأً من مبادئ الحياة، ودلالة على رقي المجتمع بمعنى الوصول إلى التغيير المنشود. بيد أن تقبّل أي مجتمع تزدهر فيه مبادئ التغيير يعني الإقرار بالقدرات الابداعية للإنسان، والاعتراف بدوره في الوجود كإرادة، وكقوة، وكحياة. وإن كان (هناك) من يظن نفســه من الناس ما ليس فيها، فيعتقد واهماً أنّه عارف زمانه، وفريد عصره وأوانه، ولا يشبهه أحد، ولا يصل إلى مدى تبحّره وعلمه كائن من كان، وهو المحلّل، والمنظّر، والألمعي...الخ، بينما ســواه لا شيء، متناسياً قوله تعالى: "وفوق كل ذي علمٍ عليم".  
 
  والحال أنّ فقهاء السياسة في وطننا ينظّر البعض منهم بمطالعات العنجهية، والقفز فوق الدستور والقانون والتاريخ، وفوق مشاعر المؤمنين بعيش وطن الرسالة والمحبة والسلام حيث الغنى في التنوّع الذي أكثر ما يميّز لبنان بالقول: "نحن أسياد هذا البلد، نحن الأقوى، نحن...الخ". أيها الألمعي لقد علّمت الحيــاة اللبنانيين أموراً كثيرة ومنها، أولاً: أنّ ما من أحد ليلغي الآخر. وما من عالم فــي هذه الدنيا العريضة، مهما بلغ علمه، إلا وفوقه مَن هو أعلم منه، سنّة الله في خلقه، والله سبحانه وتعالى وحده فوق كل عالم. وكل آفة عليها من الله آفة، وكما نطق أبو نوّاس بتلك الحكمة: "قل للذي يدّعي بالعلم فلسفة حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء".
 
  إنّ الله سبحانه وتعالى قاتل الغرور أينما حلّ، أكان فكرياً، أو ثقافياً، أو سياسياً، أو بالقوة العددية والعسكرية وغيرها. وإصابة الفرد، أو الجماعة بداء الكبرياء والعنجهيات، وازدياد الثقة بالنفس عن حدّها الطبيعي، أو إعطاء المرء نفســه فوق حجمها، وتحميلها ما لا تطيق، خاصة إذا أخذت طابع النرجسية، لهو مشــكلة المشاكل على مختلف الصُعُد الحياتية والعامة. فالتفاوت بين علماء الثقافة والفكر والاجتماع وغير ذلك موجود بقوة، وكذلك الأمر في السياسة من حيث الأحجام والتأثير. ومن تلك التجارب أيضاً، والتي مرّت في البلاد العربية عموماً ولبنان خصوصاً عبر التاريخ الحديث التصاق عبارة "السياسية" بعائلات روحية ومذهبية استفادت من عهود لصالحها، لكن نهايتها كانت الوهن والاضمحلال، باعتبار فائض القوّة يكون لفترة معينة مهما طالت. كذلك طلبة العلم بوجود الطموحات الدائمة الفردية والجماعية لبلوغ المكانة المطلوبة والأهداف المرجوّة. فرحم الله امرىءٍ  عرف قدر نفسه، وسمع، ووعى.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".