الهلال الخصيب لم يعُد خصيباً

16 كانون الثاني 2022 17:08:59

الهلال العربي الخصيب كان عبر التاريخ من أغنى بقاع الأرض وأكثرها أهمية، وفيه مجموعة من المميزات لا تتوافر عند كثير من الأقاليم الجغرافية الأخرى في العالم، وهو واحة الديانات الإبراهيمية الثلاث، ومنه انطلقت حضارات عريقة عبر التاريخ، وحافظت شعوبه على العربية رغم هول التدخلات الخارجية القاسية التي أصابت الإقليم في محطات غابرة، وشكل العراق ومعه سوريا ولبنان الحاضنة الاستراتيجية للعروبة، ومنها انطلقت الفتوحات الى أصقاع الأرض البعيدة، وكانت الدول الثلاث مع الأردن خط دفاع عن الجزيرة العربية والخليج.
 
بلاد ما بين النهرين سُميت بهذا الاسم تيمناً بغناها بالمياه العذبة التي يحملها إليها دجلة والفرات وغيرهما من الأنهر الغزيرة، والهلال سُميَ بالخصيب تيمناً بخصوبته الترابية المميزة، لكن مياه النهرين تبخرت بمعظمها، وانحبس معظم المطر. وساحل الهلال في فلسطين ولبنان احتضن محطات لا تنسى من التاريخ، وكانت سوريا الكبرى تضاهي بغناها الثقافي والعلمي وبثرواتها الطبيعية أي مكان آخر على الكرة الأرضية، وهو ما جعل المنطقة محل أطماع مقدونية ورومانية ومغولية وفارسية وطورانية واستعمارية غربية في ما مضى من التاريخ.
 
تحوّل الهلال برمّته الى أماكن شقاء وبؤس، ومنذ ما يقارب العشرين عاماً تتعرّض شعوب العراق وسوريا ولبنان لاختناقاتٍ بالغة القساوة. والدول الثلاث تقع في أسفل سُلّم التصنيف العالمي بنسبة النمو الاقتصادي، وارتفعت مكانة هذه الدول الى الصدارة في جدول الدول التي تشهد فوضى وفساداً وعدم استقرار. والبنك الدولي توقف عن رصد حركة النمو وتصنيف الاقتصاد في سوريا ولبنان، بينما صنفت المنظمات الدولية العراق على أنه ثالث دولة في العالم من حيث صعوبة العيش وقلة الراحة للسكان.
 
وما يؤلِم في مشهدية الهلال الخصيب اليوم؛ حالة الاضطراب السياسي والانهيار الاقتصادي التي تعيشها دوله الثلاث الرئيسية، عنيت لبنان وسوريا والعراق، بينما فلسطين الجريحة يتوسّع جرحها أكثر فأكثر، وهناك مَن يستغل قضيتها المُحقة لأهداف خاصة أو توسعية، والقهر القديم الذي يعانيه شعبها جراء الاحتلال، يتجدد وسط تراجع منسوب الأخلاق في العلاقات الدولية، بحيث تُرك شعب فلسطين كبش فداء، وفريسة ينهشها العدوان الإسرائيلي من دون أي روادع.
 
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تلا تقريراً أمام جلسة مجلس الأمن الدولي في 10 كانون الثاني (يناير) التي خصصت لتمديد العمل بالسماح لعبور المساعدات الإنسانية الى سوريا لمدة 6 أشهر إضافية، قال فيه إن 90% من السوريين أصبحوا فقراء، وأكثر من 9 ملايين سوري من أصل 22 مليون يعيشون في حالة من التشرد أو التهجير. وأقسى من كل ذلك؛ فإن عشرات الآلاف من الشباب الذين غادروا سوريا بحثاً عن عمل أو للتحصيل العلمي، لا يستطيعون العودة لأنهم ملزمون بدفع مبلغ 7 آلاف دولار أميركي لإعفائهم من الخدمة العسكرية، وهو مبلغ كبير لا يستطيعون تأمينه بسهولة، والبديل منه توقيفهم وإلحاقهم بهذه الخدمة فور رجوعهم ولمدة سنة ونصف سنة، وغالباً تُمدد هذه المخدومية لفترة تصل الى 5 سنوات بحجة الضرورة العسكرية التي تفرض الحاجة لهم في مواقع القتال، وهؤلاء لا يريدون الاشتراك بقتال داخلي ضد مواطنيهم. هذه وتلك؛ أمثال صغيرة على مأساة كبيرة يعيشها الشعب السوري منذ أكثر من 10 سنوات.
 
ولبنان إحدى الحلقات الهامة في الهلال الخصيب تحوّل الى جهنم، والحياة فيه صعبة وتكاد تكون مستحيلة، وسط انهيار اقتصادي يعتبر الأخطر في العالم منذ 150 عاماً، وفقاً لتقرير البنك الدولي، وهو يعاني اضطراباً سياسياً ومالياً وقضائياً غير مسبوق، ومُهدد بالزوال، ووفقاً لوصف "نادي قضاة لبنان"، فالانتظام العام في الدولة على شفير الانهيار، لأن السلطة التنفيذية المناطة بمجلس الوزراء معطلة، بينما الأزمة تتفاقم الى حدود مخيفة.
 
والعراق الذي نجح في إجراء انتخابات تشريعية في الأشهر الأخيرة؛ لا يستطيع تأليف حكومة تجسد نتائجها، لأن قوى الأمر الواقع الموالية لإيران تمنع مؤسسات الدولة من السير بالسياق الدستوري، كونها خسرت الانتخابات ولم تحصل على الأكثرية النيابية. وبينما يُصنّف العراق من الدول الغنية في مواردها الطبيعية والنفطية؛ يعتبر تقرير أممي أن معظم مرافقه الخدماتية لا تعمل كما يجب، وهو أكثر دولة في العالم فيها معوّقون وأرامل وأيتام نسبة الى عدد السكان.
 
القاسم المشترك بين الويلات التي تعيشها دول الهلال الخصيب، خصوصاً لبنان وسوريا والعراق؛ هو التدخلات السياسية الإيرانية بشؤون البلدان الثلاثة، وهذا التدخل عمّم نموذج الفوضى في إدارة الدولة، وكرّس حالة الازدواجية في السلطة، وفقاً لنموذج معتمد في إيران يعتبر المرجع الديني وحرسه الثوري أصحاب القرار، قبل مؤسسات الدولة الدستورية.
 
والأدهى من كل ذلك؛ فإن موارد البلدان الثلاثة مهددة من التجاوزات الإيرانية التي تحصل عن طريق تهريب السلع واستباحة الأسواق، وبخلق الاضطرابات التي بدورها تؤدي الى تعطيل الإنتاجية في هذه الدول، كما هو حاصل مع قطاع الكهرباء في العراق وفي لبنان. ويعمل الإيرانيون على إحداث تغييرات ديموغرافية مدروسة وشراء أراض كما هو حاصل في سوريا، ويحجبون المياه عن نهر دجلة من دون أي رادع، بينما الهلال الخصيب يتغير ولم يعد خصيباً.