الحل لن يخرج من طاولة بعبدا.. تذكّروا جولات الحوار منذ العام 2006

14 كانون الثاني 2022 16:22:12

فشل رئيس الجمهورية في دعوة الأطراف اللبنانيين إلى طاولة حوار في بعبدا، ولم يلاقيه إلّا بعض حلفائه المقرّبين، في حين أعلنت غالبية القيادات عدم حماستها للمشاركة في طاولة حوار واضحة المعالم والنتائج. لن ينعكس الحوار انفراجاً في السياسة، لأن ثمّة يقين أن المشكلة تكمن في مكان آخر، بين التيار الوطني الحر والثنائي الشيعي الذي يحتجز الحكومة رهن تحقيقات انفجار مرفأ بيروت.

يعلم عون أن الحل لن يخرج من الطاولة المذكورة، بل أنّه من الأجدى استبدال هذه الحوارات بلقاءات مع الثنائي لمعالجة ملف تعطيل الحكومة. وأغلب الظن، إن دعوة عون انطلقت من نيته رمي كرة المسؤولية وفشل العهد في ملعب القادة السياسيين مجتمعين بغض النظر عن مشاركتهم في الحوار من عدمها، وهذا ما أثبته بيان رئاسة الجمهورية الذي اتهم فيه المقاطعين بالتعطيل.

وما هو التاريخ إلّا خير معلّمٍ، وإنطلاقاً من مسألة نجاح الحوار أو فشله، يمكن العودة إلى حوارات وطنية سبق أن جمعت قادة سياسيين على طاولة واحدة، كان على مائدتها شتى العناوين المتعلّقة بالسياسة والأمن والاقتصاد. أبرز هذه اللقاءات في حقبة لبنان الجديد، بعد الانسحاب السوري، كان الحوار الذي رعاه رئيس مجلس النواب نبيه برّي حول الاسترتيجية الدفاعية في 2006، كما وحوار الدوحة 2008، إضافة إلى حوارات بعبدا التي دعا إليها رئيسي الجمهورية ميشال سليمان وميشال عون.

الحوار الوطني: 2006
في العام 2006، وفي أعقاب انسحاب الجيش السوري من لبنان، كان لبنان يمر بفترة دقيقة وحسّاسة، ترافقت مع تهديدات أمنية واستهداف لشخصيات سياسية تنتمي لجبهة 14 آذار، فاندلع نزاع سياسي حول مسائل شائكة، منها التمديد لرئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود، سلاح حزب الله، والمحكمة الدولية.

دعا حينها برّي إلى جلسات حوار وطني، جمع فيها أبرز القادة السياسيين، لا سيما الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وغيرهم. 

لكن الحوار لم يحلّ أي من الملفات الخلافية آنذاك، التي بقيت عالقة وفاقمت أزمة الحكم، فعانى لبنان الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية لحّود، كما لم يتفق المجتمعون على استراتيجية دفاعية، فبقي قرار سلاح حزب الله خارج الدولة.

مؤتمر "سان كلو": 2007
اشتدّ الكباش السياسي بعد العام 2006، وكان البلد منقسماً عامودياً في ظل صراع وصل إلى حدود إلغاء الآخر وتمثّل بتصفية عدد من قادة 14 آذار. تعطّلت الحكومة وانسحب وزراء 8 آذار منها، كما تعطّل مجلس النواب، ونظّمت قوى المعارضة حينها اعتصامات في وسط بيروت ونصبت الخيم، فاندلع اشتباك سياسي وأخذ يستعر مع الوقت.

تدخّلت فرنسا آنذاك، إنطلاقاً من دورها السياسي والاقتصادي والثقافي الذي لعبته منذ فترة الانتداب الفرنسي، مباشرةً وبشخص وزير الخارجية برنارد كوشنر، الذي دعا إلى حوار في قصر لاسيل في مدينة سان كلو الفرنسية، حضره سياسيون لبنانيون، وكان الهدف انتشال لبنان من أزمته.

لكن الازمة لم تصل إلى خواتيمها، بل استمر الانقسام العامودي في البلاد ولم يستطع القادة الاتفاق على مستقبل رئاسة الجمهورية أو حتى سلاح حزب الله.

حوار الدوحة: 2008
تمخّض الخلاف أكثر، وزاد وقع الخلاف السياسي مع استمرار مسلسل الاغتيالات، حتى وصل التشنّج إلى أقصى درجاته مع اندلاع اشتباكات 7 أيار.

توجّه القادة السياسيون إلى طاولة حوار جديدة، برعاية عربية هذه المرّة، في العاصمة القطرية، الدوحة. تم التوصّل في ختام الحوار إلى عقد جلسة نيابية وانتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، بالإضافة إلى تشكيل حكومة واجراء الانتخابات وفق القانون الساري المفعول. كما تم التطرّق إلى سلاح حزب الله، دون التوصّل إلى أي اتفاق فعلي.

إنتُخب سليمان رئيساً، ونُظّمت الانتخابات، لكن لم تتم معالجة ازمة سلاح حزب الله. ونتج عن ذلك الحوار ما يُعرف اليوم بـ"الثلث المعطّل"، وتمت تسميته حينها بالثلث الضامن، كضمانة لقوى المعارضة. ومنذ ذلك الحين، تستخدم القوى بدعة الثلث المعطّل، إلى جانب بدع أخرى كالميثاقية وغيرها، لشل الحياة السياسية والدستورية.

هيئة الحوار الوطني في بعبدا: 2014
في العام 2014، دعا رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى عقد جلسات حوار في قصر بعبدا، استكمالاً للحوار الذي بدأ في الدوحة. لكن الظروف تبدّلت نتيجة تبدّل موازين القوى لصالح فريق 8 آذار والتيار الوطني الحر، الذي استثمر في "الثلث المعطّل" و"الميثاقية" لفرض سياساته، رغم أنه كان أقلية لعدم فوزه بانتخابات العام 2019.

إقليمياً، كانت الحرب السورية مشتعلة، وكان النظام خاسراً. تدخّل حزب الله في العام 2012 لإنقاذ حليفه بشار الأسد، وكان نشاط الحزب هو الأول خارج الحدود اللبنانية. رتّبت مشاركة حزب الله في سوريا نتائج عديدة على لبنان، لا سيما لجهة المجتمع الدولي، العربي والغربي بشكل خاص، الذي عارض آنذاك سياسات النظام.

كان من الضروري حينها تحييد لبنان عن الحرب السورية ولو بالحد الأدنى، فولد إعلان بعبدا من رحم الحوار الوطني، وقضى باعتماد سياسة النأي بالنفس. احتكم بعض القادة للإعلان، لكن الطرف الفاعل بالحرب السورية، حزب الله، لم يلتزم، فاستمر بتدخّله ووسّع نطاق عمله في سوريا، فكان الإعلان المذكور حبراً على ورق، ولم يكن للحوار أي نتائج فعلية.

اللقاء الوطني المالي: 2020
بعد بداية الانهيار الاقتصادي في أواخر العام 2019، دعا رئيس الجمهورية ميشال عون لحوار وطني مالي بهدف الشروع بالتعافي المالي. لبّى قادة سياسيون الدعوة، في حين أرسل آخرون موفدين عنهم، ليقينهم بغياب أي جدوى للحوار في ظل تشبّث فريق السلطة أنذاك بمكتسباته التي راكمها على مدى سنوات، ورفض التوجّه نحو حكومات اختصاصيين مستقلين، أو مفاوضة صندوق النقد الدولي بجدّية.

وللمفارقة، فإن وتيرة الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي تسارعت، ولم تسلك أي من الحلول مسارها الطبيعي، وإلّا ما كان الوضع اليوم كما هو عليه.

بالخلاصة، قاربت هذه الحوارات معظم الملفات السياسية والاقتصادية، وحينما توافرت نوايا الحلول، سلكت المقترحات مسارها التطبيقي، كانتخاب سليمان رئيساً، أما وعندما غابت، كانت هذه الحوارات شكلية وما من نتيجة فعلية لها، كمحاولة اقرار استراتيجية دفاعية. ومن هذا المنطلق، وفي حال كانت نوايا الحل موجودة اليوم، من الأجدى التوجّه نحو تفعيل عمل الحكومة والإفراج عن الفاوضات مع الهيئات الخارجية، بالإضافة إلى الحرص على إجراء الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها، وهذا ما كان قد أكّده رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في موقفه رداً على دعوة عون للحوار.