دور إقليمي جديد لمصر

11 كانون الثاني 2022 19:40:22 - آخر تحديث: 11 كانون الثاني 2022 19:48:15

التحديات الراهنة التي تتصدّى لها القيادة المصرية، سواءً في إعادة العلاقة مع واشنطن، والتي حقّقت درجة من النجاح في عددٍ من الملفات الداخلية والإقليمية، من ملف سد النهضة مع إثيوبيا، إلى الملف الفلسطيني وملف حركة حماس، حيث عادت واشنطن إلى فتح حوار استراتيجي مع القاهرة حول العديد من القضايا، بعد أن كانت إدارة بايدن قد أطلقت العداء لمصر تحت عناوين وملفات مرتبطة بقضايا حقوق الإنسان، وبالإخوان المسلمين، والإرهاب؛ والطلب من مصر عدم  التدخل بملفات الدول المجاورة لها والمؤثّرة في أمنها القومي، كالملف الليبي والملف السوداني، إضافةً إلى مواقفها المتحفظة حول العلاقات المصرية – الروسية، والمصرية – الصينية، وكذلك على العلاقة المصرية – الفرنسية، حيث نجحت القاهرة في عقد صفقة طائرات الرافال، والتي كسرت من خلالها الحظر الذي فرضه البيت الأبيض على تطوير مصر لسلاحها الهجومي منذ توقيع اتّفاق كامب – ديفيد.

فعندما تذهب واشنطن إلى حوار استراتيجي (اقتصادي- أمني- عسكري) مع القاهرة وتعدّل من سياستها النقدية القاسية تجاهها، فذلك مؤشرٌ على تراجع واشنطن عن موقفها، لأنّ مصر كانت تسعى لفتح مثل هذا الحوار منذ لحظة دخول بايدن المكتب البيضاوي، وقد أنجزت ذلك بفعل تقدّم ميداني حقيقي على جبهات عدة، أكّدت فيها للأميركي أنّه غير قادر على تجاوز دور وموقع مصر الإقليمي، وعلى مساحة منطقة الشرق الأوسط.

فعلى صعيد أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، شكّل تصريح المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، نقطة تحوّل في مجرى السياسة الأميركية تجاه هذه القضية المركزية والمحورية لدى مصر والسودان، حيث طالب بأنّ على إثيوبيا، "انتهاج سياسة ثابتة ورصينة لتجد حلاً جدياً لأزمة سد النهضة، بما يؤمّن احتياجات مصر والسودان المائية"، هذا التصريح الأميركي جاء بعد أن أدركت واشنطن حجم الانهيار الذي أصاب حكومة أديس أبابا، وتهديد العاصمة الإثيوبية بالسقوط أمام هجمات جبهة تحرير تيغراي وحلفاؤها، والذين يشكّلون أكثر من 11 فصيلاً ممثّلاً للقوميات الإثيوبية، وهو ما دفع الإدارة الأميركية وتل أبيب إلى السعي مع دول المنطقة، بما فيها القاهرة، لإنقاذ آبي أحمد وحكومته، ما يكشف بأنّه ثمة دوراً أميركياً – إسرائيلياً داعماً لموقف إثيوبيا في رفضها الحلول السابقة التي كانت تطرحها القاهرة والخرطوم، فيما كانت واشنطن وتل أبيب تحاولان استنزاف مصر في أمنها المائي.

الكثير من المراقبين كانوا يلومون الدبلوماسية المصرية على مرونتها في هذا الملف ويتهمّونها بالتراخي وعدم تقدير المخاطر. إلّا أنّ ما جرى في أديس أبابا يؤكّد عكس ذلك، ويبيّن حجم المناورة التي تمتلكها مصر في إدارة ملفاتها المعقّدة، لا سيّما التي تحرّكها الولايات المتحدة الأميركية التي تمتلك سطوةً وتأثيراً كبيرين على الاقتصاد المصري، وعلى الجيش المصري، بفعل التزامات مصر في اتفاقية كامب ديفيد. فالقاهرة تمتلك من الخبرة والعمق والمعلومات في إدارة ملفاتها المعقدة، وفق أولوية المصلحة المصرية أولاً، بما لا يتعارض والمصلحة العربية الجامعة ثانياً.

من جهةٍ أخرى، وفي إطلالةٍ على المشاريع العملاقة التي تطلقها مصر لتحقيق نهضتها التنموية، تبدو القاهرة وكأنها في سباق يرتبط بالتخطيط المستقبلي؛ وأن تطلق دولة بحجم مصر التي تعاني من أزمات مختلفة وحجم اقتصادها يصل إلى حدود 400 مليار دولار، وتعداد سكانها يقارب 100مليون نسمة، وهي على أبواب انفجار سكاني كبير، فهذا مؤشرٌ على مدى تطور القدرة المصرية في تجاوز الأزمات، وفي تغليب الرؤية المستقبلية التنموية وقواعدها الاقتصادية الأساسية، بالتزامن مع تطوير القوة الهجومية العسكرية. هذا التطوّر بشقّيه يرتبط، ويفرض، دوراً إقليمياً نجحت القاهرة في تحقيقه ميدانياً بسلوكها، وإرادة قيادتها وتعاونها الوثيق مع الرياض ودول الخليج العربي، رغم التباينات المختلفة في بعض الملفات.

لقد نجحت القاهرة، ومن خلال مشاركتها في منظومة التحالف العربي المشترك الذي يخوض تجربته العسكرية في اليمن، بمشاركة الرياض والبحرين والإمارات العربية، في معالجة بعض الملفات الخلافية بين مصر ودول الخليج العربي، وأكّدت أنّ الملفات الخلافية لن تحول دون إنجاح تجربة العمل المشترك، لكن الجديد في هذا التحالف أنّ دوَله تخوض وتنسّق معاركها المشتركة مع القوى الإقليمية من إيران إلى تركيا، وإثيوبيا، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، ومعركة مختلفة مع القطب الأميركي بأسلوب عمل لا يخرج عن إطار العلاقة الاستراتيجية الثنائية بين واشنطن وكل دولةٍ من دول التحالف على حدة. وعلى الرغم من مستوى حدّة هذا الصراع وارتباطه بمصالح كل دولة على حِدَة، إلّا أنّه مؤشرٌ إلى إمكانية تطوير هذه التجربة وتعميق قدراتها وخبراتها، خاصةً بعد المصالحة الخليجية في قمة العلا العام الفائت، حيث نجحت كلٌ من القاهرة والرياض في إدارة تبايناتهما وملفاتهما الخلافية دون التأثير على الملفات المشتركة المتفق عليها، تماماً كما جرى بين دول مجلس التعاون الخليجي الذي وصل إلى درجة انفراط عقده إثر الأزمة القطرية، وعاد ولملم شؤونه بما يحمي مصالح دوله، وعمّق العلاقات الاستراتيجية بينها بما يعزّز العمل العربي المشترك، وهذا ما أقرّته قمة الرياض الأخيرة التي عادت لتبحث في سبل تعزيز وحدة دول المجلس.

يمكن القول إنّ القدرة المصرية – السعودية على تجاوز الأزمات الخطيرة والنظر نحو المخاطر المستقبلية لا سيّما بعد تأكّد أعضاء دول مجلس التعاون من أنّ القوى الكبرى تريد أن تنهش الدول العربية، وأنّه لا طريق أمامها سوى الدفاع العربي المشترك عن المصالح المشتركة. وفي هذا السياق يمكن تسجيل دور مهم للقاهرة حول كيفية إدارة الملفات الخلافية مع الأطراف الأخرى المؤثّرة في المنطقة، مثل إسرائيل وتركيا والمحيط الأفريقي بشكلٍ خاص، وعليه يمكن قراءة الموقف المصري الراهن من زاوية ما تمّ إنجازه خلال الفترة السابقة.

هذا النهج السياسي الجديد في دور مصر وموقعها الإقليمي، بحيث تشكّل مكانتها العسكرية رادعاً أساسياً لأي تجاوز لمصالح مصر وموقعها، وهذا ما جرى في شرق المتوسط، وحماية الغاز المصري، وفي إدارة أزمة غزة مع العدوان الإسرائيلي على حركة حماس. وهذا ما يجري أيضاً في إدارة أزمة السودان في مرحلته الانتقالية، فضلاً عن الدور الواضح والاستثنائي في ليبيا، حيث لا يمكن غضّ النظر عن هذا التطور والتقدّم في التأثير الإقليمي الفاعل والقوي، بما في ذلك الموقف المتباين لمصر عن الرياض تجاه الأزمة السورية، وطريقة إدارة مصر للعلاقة مع إيران بأسلوبٍ أكثر نعومة ومرونة وهدوءاً من الموقف والأسلوب السعودي الصدامي القوي.

لا بدّ من تثمين هذا المسار على أنّه تحوّل إيجابي قادر على إحداث تراكمٍ وتأثير إقليمي ودولي، حيث أن قدرة القاهرة على أن تكون قوة إقليمية توازي بمكانتها وقدراتها قوى إقليمية قوية ونافذة في المنطقة، وقدرتها أيضاً على إدارة الصراع مع قوى إقليمية، مثل إسرائيل وإثيوبيا وتركيا، والصعود المصري بخطى ثابتة، اقتصادية، وتنموية، وعسكرية، (هي كلّها) مؤشرات مستقبلية تعزّز موقع وقدرة تأثير الدبلوماسية المصرية الناشطة، والقائمة على تعظيم المصلحة المصرية الخاصة أولاً، وتشبيك هذه المصلحة مع المصالح العربية الأخرى في الرياض، ومجلس التعاون الخليجي، ودول المغرب العربي، والقرن الأفريقي.

أهمية الدور المصري المستقبلي الوازن يتجلى إقليمياً في مشاركة مصر والسعودية في قراءةٍ واضحة ومشتركة لمفاوضات فيينا حول الملف النووي الإيراني، وما قد تخرج به من نتائج سيكون لها ترددات سلبية على الاستقرار في المنطقة، وبحيث تُظهر المؤشّرات أنّ المفاوضات ستصل في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقٍ مؤقت، وهذا يعزّز الموقف العربي الذي يقول إنّ أميركا وأوروبا مستعدتان لبيع إيران من الكيس العربي، وعلى حساب المنطقة العربية، من أجل الوصول إلى الاتّفاق المؤقّت، ما يعني أنّنا مقبلون على مرحلة جديدة من الصراع، وقد تكون موازين القوى فيها أفضل من السابق، سيّما وأنّ أي اتّفاق سوف تنجزه واشنطن وفريق (4+1) مع إيران سوف يُدخِل الشرق الأوسط في احتدامٍ جديد يؤدي إلى شحذ همة الرياض والقاهرة لإدارة الصراع مجدداً مع إيران ومع واشنطن. فأي اتفاق مع إيران لا يحدّ من قدرتها الصاروخية، ومن تدخّلها في شؤون الدول العربية، ويقلّص قدرة أذرعها العسكرية المزعزِعة لاستقرار الدول الوطنية، سوف يكون لصالح إيران ولن تقبل به الدول العربية، لأنّه سوف يكون على حسابها وحساب ثرواتها، وقدراتها، وإمكاناتها، واستقرارها، وهذا ما خبرَتْه في تجربة الاتّفاق السابق الموقَّع في حزيران، 2015.