2021 بدأت بفراغ حكومي وانتهت بحكومة معطّلة

عام ملتهب قضائياً وأمنياً وسياسياً.. وأزمة غير مسبوقة مع الخليج

31 كانون الأول 2021 14:44:35

لم يكن العام 2021 أخف وطأةً على اللبنانيين من العام 2020، لا بل أن الأزمات السياسية التي كانت قد إنطلقت في العام المنصرم استمرت لتتفاقم أكثر مع العام الجديد وتضيف على المشهد السياسي المزيد من التأزم والتعقيد، وتبتعد البلاد أكثر فأكثر عن مسارات الحلول.

رسمت المبادرة الفرنسية التي أطلقها إيمانويل ماكرون في أيلول من العام 2020 خارطة طريق للبنان بهدف الخروج من المستنقع الذي غرق فيه، لكن عدم التزام غالبية القادة السياسيين بالبنود ومحاولة "لبننة" المبادرة أطاحا بفرص العودة إلى المسار الصائب بسرعة.

إنطلق العام 2021 بفراغ حكومي بعد فشل الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري تشكيل حكومة المبادرة الفرنسية، لأسباب داخلية ارتبطت بالمحاصصة من جهة وبالخصومة السياسية بين الطرفين من جهة أخرى، ولأسباب دوليّة تمثّلت بالتصعيد بين إيران والولايات المتحدة في سياق تحسين الشروط قُبيل العودة إلى طاولة مفاوضات الاتفاق النووي، كما وبغياب الدعم السعودي للحريري لتشكيل الحكومة.

ساءت العلاقة أكثر بين عون والحريري حتى وصلت إلى مقاطعة الأخير زيارة القصر الجمهوري للتباحث، فانطلق بجولات حول العالم كانت محطاتها الأبرز فرنسا وتركيا ومصر والإمارات، إلّا أنه لم يستطع زيارة المملكة العربية السعودية لجملة من الأسباب، منها ما هو متعلّق بشخص الحريري، ومنها ما هو سياسي مرتبط بالعلاقة مع لبنان. حاول الحريري حشد الدعم الدولي لتشكيل الحكومة وتقوية موقعه، خصوصاً وأن عون يعاني عزلةً دولية لجهة الدول المؤثّرة بلبنان.

وكعادتهما، لعب رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أدواراً في محاولة للتخفيف من حدّة الخلاف بين الطرفين وتقريب وجهات النظر، كما والتخفيف من انعكاسات تأزم الوضع السياسي على القواعد الشعبية، فدعم بري الحريري، وزار جنبلاط عون، لكن أي من تحركات الرجلين لم تصل إلى نتيجة.

فشل الحريري في تأليف الحكومة، فاعتذر بتاريخ 15 تموز، وكان للاعتذار تبعات شعبية محدودة تمثّلت بتحرّكات احتجاجية وقطع للطرقات وتصادم مع الجيش في مناطق محسوبة على تيار المستقبل، ما لبثت أن انتهت مع انتهاء ذلك اليوم الطويل. كما تأثر الاقتصاد، فارتفاع سعر صرف الدولار أكثر. 

حكومة ميقاتي.. فراغ مستتر
بُعيد اعتذار الحريري، جرت استشارات نيابية في وقت قصير، فتم الاتفاق على نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة، وتم تكليفه. شكّل أول حكومة بعد المبادرة الفرنسية، لكنها في جوهرها لم تشبه مبادرة ماكرون، لا بل كانت كما الحكومات السابقة، حكومة "ميثاقيات وأثلاث معطّلة مستترة"، ما جعلها هشّة أمام الأزمات الكثيرة التي ستواجهها بعد فترة فراغ طويلة زادت على السنة.

تشكّلت الحكومة بمشاركة معظم الأطراف السياسية الفاعلة، إذ إن نموذج حكومات اللون الواحد فشل في لبنان، كما أن نموذج حكومات الأخصائيين المستقلين مرفوض من قبل السلطة السياسية المتمثّلة بحزب الله والتيار الوطني الحر. سُميت هذه الحكومة باسم "حكومة الصندوقين"، نسبةً للمهمّتين الأساسيتين الملقاة على عاتقها، وهما مفاوضة صندوق النقد الدولي، والتحضير للانتخابات النيابية، خصوصاً وان عمرها من المفترض أن يكون قصيراً في حال تم إجراء الانتخابات في العام المقبل.

إلّا أن إنطلاقة الحكومة تعثّرت بسبب الملفات الخلافية الكثيرة التي ألقيت على عاتقها دون أن تكون هي المسؤولة عنها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لكنها تحمّلت الأكلاف، إذ توقّفت الاجتماعات بعد شهر على تشكيلها، بُعيد أحداث الطيونة، وتحمّلت وزر الأزمة الدبلوماسية التي طرأت، وأصبحت رهن حل الملفات الشائكة، كتحقيقات انفجار مرفأ بيروت.

تحقيقات المرفأ.. السلطة مرتابة من القضاء
كان العام 2021 مشتعل قضائياً، خصوصاً في ما يتعلق بقضية انفجار مرفأ بيروت. استطاعت السلطة السياسية كفّ يد المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوّان بسبب الارتياب المشروع الذي تقدّم به النائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر، على اعتبار أن منزل صوان تضرر إثر الانفجار، فكانت الضربة الأولى لتحقيقات الملف الأهم والأكثر حساسية.

تم تعيين القاضي طارق البيطار خلفاً لصوان، فدرس الملف وأكمل تحقيقاته، لكن القضية باتت شائكةً أكثر، إذ أصر البيطار على استدعاء شخصيات من الصف الأول للاستماع إليهم، بينهم رئيس الحكومة السابق حسان دياب، الوزراء علي حسن خليل، غازي زعيتر، نهاد المشنوق، يوسف فنيانوس، بالاضافة إلى قادة أجهزة أمنية كالمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، والمدير العام لأمن الدولة طوني صليبا.

رفض معظم المذكورين التوجّه نحو القضاء والادلاء بافاداتهم، وتمتعوا بحصانات سياسية حالت دون مثولهم. دياب والوزراء رفضوا المثول أمام القضاء العدلي وطالبوا بمحاكتمهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، أما مجلس النواب، فلم يرفع الحصانة عن أي نائب، في حين أن رئيس الجمهورية والوزراء المعنيون رفضوا إعطاء التصاريح لملاحقة قادة الأجهزة الأمنية.

على الإثر، أصدر البيطار مذكرتي توقيف بوجه خليل وفنيانوس، لكن لم يتم توقيفهما، بل تم رفع 18 دعوى رد وكف يد ضد البيطار، بالإضافة إلى دعاوى مخاصمة الدولة، فتم رد البيطار لفترات وجيزة عن التحقيق، إلّا أن القضاء لم يصدر قرار كف يد، وبالتالي استمر البيطار في عمله، وهو في طور الإعداد لإصدار القرار الظنّي.

انقسام أهالي ضحايا انفجار المرفأ
في إحدى خطوات المتضررين من تحقيقات المرفأ للضغط على السياسة كما والقضاء لتنحية البيطار، تم اللجوء إلى إحداث شرخ بين أهالي ضحايا انفجار المرفأ، علماً أن الأهالي كانوا كهيئة فاعلة في سياق القضية، وكان لكلمتهم أثر، ولضغطهم جدوى أمام الرأي العام كما والمسؤولين السياسيين.

فنجح المسعى، وانقسم الأهالي بين مؤيّد لتحقيقات البيطار ومصر على استمراره، ومعارض للتحقيقات ورافض لما تم وصفه بالاستنسابية، وكان في طليعتهم أحد أبرز الوجوه، ابراهيم حطيط، وهو كان متحدثاً باسم الأهلي. لكن كان من الواضح أن السياسة خلف الانقسام، إذ أن حطيط كان أول المدافعين عن البيطار في وقت سابق، لكنه عدل عن رأيه بعد مهاجمته البيطار في فيديو مشبوه نشره علي مواقع التواصل، يظهر وكأن أحداً يملي عليه ما يجب قوله، إلى جانب أن رافضي التحقيقات معظمهم من لون طائفي واحد.

أحداث الطيونة.. 
نظّم الثنائي الشيعي حزب الله - حركة أمل تظاهرة شعبية في 14 تشرين الأول رافضةً لتحقيقات المحقق العدلي التي تم وصفها بالاستنسابية. وكان من المفترض أن تأخذ التظاهرة طريقاً محدداّ نحو العدلية، يمر قرب عين الرمانة، لكن الأمور خرجت عن السيطرة ووقع ما لم يكن في الحسبان واصطدم المتظاهرون بالأهالي وبدء رشق الحجارة، حتى تطوّرت الاشتباكات ووصلت إلى حدود إطلاق النار والقذائف، فُقتل على الإثر سبعة أشخاص من تظاهرة الثنائي، وجُرح آخرون، كما تم توقيف عدد آخر.

زاد منسوب التوتّر بعد حادثة الطيونة، فعلت الصرخات من الجانبين، ورُميت التهم حزافاً لاستثمار ما حصل شعبياً وانتخابياً، كما وسياسياً. فارتفعت أصوات تطالب بحل حزب القوات اللبنانية، وأخرى طالبت بعزل حزب الله. هذه الأجواء المشحونة إسترجعت إلى الذاكرة مراحل قديمة سبقت الحرب الأهلية، حينما تمّت المطالبة بعزل الكتائب، وبطرد الفلسطينيين من لبنان، فكانت الحرب. ولتفادي تكرار السيناريو، كان لافتاً موقف جنبلاط الرافض لنظريتي الإلغاء، مؤكداً على أن أي طرف لا يمكن إلغاؤه من الحياة السياسية، مستذكراً تجربة الحرب الأليمة. حينها، كان من الضروري الركون إلى مواقف تهدئة بعيداً عن التصعيد، لأن ما شهدته شوارع الشياح وعين الرمانة خطيرٌ جداً، وينذر بانطلاق الحرب.

لبنان ساحة توترات.. صواريخ على اسرائيل واشتباكات متنقلة
التوتّر السياسي القائم في البلد والشحن المذهبي والحزبي وصلا إلى مرحلة كان لا بد من أن ينفجرا شعبياً، ما أدى إلى توترات أمنية متنقّلة، أهمها كان إشكال الطيونة، بالإضافة إلى إشكال خلده الذي تجدّد بعد حادثة الأخذ بالثأثر، وسقط ضحيته عدد من القتلى كانوا في عداد المشاركين في جنازة علي شبلي، الشاب الذي قضى نتيجة العملية الثأرية.

وفي حادثة مأوساوية، قضى أكثر من ثلاثين شخصاً بعد انفجار شاحنة مخصّصة لنقل المحروقات في منطقة التليل الكارية، إثلا إطلاق النار عليها بسبب إشكال. كما قضى شاب آخر بعد انفجار وقع في مخيّم برج الشمالي في الجنوب، في حين أن الأسباب لا زالت غامضة، مع حديث عن وجود مخازن سلاح لحركة "حماس" غي المحلّة".

إلى ذلك، اعتاد لبنان على التأثّر دائماً بالأحداث الخارجية، وفي هذا السياق، ومع اندلاع معركة "سيف القدس" بين الفصائل الفلسطينية والقوات الاسرائيلية، كان للبنان حصّة، فقد جرى اطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني مرّتين، تبنّى حزب الله إحداها، في حين نُسبت الأخرى لمجموعات فلسطينية. كما قضى أحد الشباب بعد مشاركته في مظاهرة على الحدود مع لبنان تضامناً مع الفلسطينيين في المعارك نفسها، إثر إطلاق النار من المقلب الإسرائيلي.

تصريحات قرداحي.. تفاقم الأزمة الدبلوماسية مع الخليج
وما كان ينقص اللبنانيين إلّا أزمة دبلوماسية بين لبنان والدول الخليجية. ليست الأزمة بجديدة، فالعلاقة تراجعت بين الطرفين منذ العام 2016، لكنها لم تشهد بتاريخها تردٍ كما شهدت هذا العام بعد تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي حول الحرب اليمنيّة التي طالت السعودية والدول الخليجية.

تعود الأزمة إلى العام 2016، مع وصول عون إلى رئاسة الجمهورية وامساك تحالف مار مخايل بمفاصل الدولة بالكامل، حتى بات لبنان جزءً من المحور الإيراني، فتراجعت العلاقة بين لبنان والدول الخليجية. مشاركة حزب الله في الحرب اليمنية كانت عاملاً أساسياً في تردي الأحول أكثر، وفي نيسان الماضي، تم ضبط شحنة الرمان الشهيرة في السعودية، فتوقفت المملكة عن استيراد الخضار والفاكهة، إلى أن قرر الخليج، باستثناء قطر، تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى أدنى المستويات بعد تصريحات قرداحي، فتم سحب السفراء الخليجيين من لبنان، وترحيل السفراء اللبنانيين، كما وقف الاستيراد من لبنان.

وعلى إثر الضغوط الداخلية والخارجية، الفرنسية بشكل خاص، استقال قرادحي من موقعه، بعدما حاول داعموه في الداخل اللبناني الاستثمار في الاستقالة مقايضتها.

المصالحة الدرزية.. مسعى لتخفيف التوترات
على المقلب الآخر من التأزّم السياسي وانسداد الأفق، عملت القيادات الدرزية على التخفيف من التوتّرات وحلحلة الخلافات بالحد الأدنى لحصرها بإطارها السياسي دون أن تنعكس على القواعد الشعبية، فاستقبل جنبلاط في دارته في كليمنصو النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب، وتكللّت المساعي بلقاء خلده الذي تم الاتفاق فيه على جملة من النقاط، أبرزها التحصين الإجتماعي في ظل الظروف الصعبة.

مشيخة العقل.. انتخاب أبي المنى خلفاً لحسن
كان العام 2020 موعداً لإجراء استحقاق طال انتظاره على الساحة الدرزية، وهو انتخابات مشيخة العقل. أرادت القيادات الدرزية حينها توحيد مشيخة العقل بعد انقسام طويل وتنصيب ارسلان ووهاب لشيخ عقل ثانٍ غير المعترف بخ رسمياً من قبل القانون. دارت حركة مكوكية للاتفاق على خلف لحسن، حتى رسى الاتفاق على الأمين العام لمؤسسة العرفان التوحيدية سابقاً، الشيخ سامي أبي المنى لانتخابه شيخ عقل. ولأبي المنى تاريخ طويل في حقلي التعليم كما والدين، وهو من أبرز أركان الحوار المسيحي الاسلامي. فجرت الانتخابات، وتسلّم أبي المنى مشيخة العقل من سلفه، لكن المشيخة لم تتوحد بعد، إذ رفض ارسلان الانتخابات وأصر على استمرار انقسام مشيخة العقل، لكن اللافت أن وهاب كان من الداعمين لوصول أبي المنى، وبالتالي اتفق مع جنبلاط، فضاقت مساحة الانقسام.

الانتخابات.. بين اقتراع المغتربين وتقريب الموعد
حضر ملف انتخابات 2022 في العام 2021. تم تجاوز القانون بالمجمل على اعتبار أن أي نقاش فيه قد يؤدّي إلى تطيير الانتخابات، لكن جرى البحث بنقطتين كانتا محل خلاف بين الأطراف. النقطة الأولى كانت متعلقة باقتراع المغتربين، إذ أصر التيار الوطني الحر ومن خلفه حزب الله على حصر أصواتهم بستة نواب، في حين أرادت القوى الأخرى إعطاء المغتربين الحق في التصويت لكافة المقاعد، فأقرت التعديل على قانون الانتخابات، وبات ساري المفعول رغم طعن التيار الوطني الحر.

النقطة الثانية تمثّلت بالخلاف على موعد الانتخابات. أرادت حركة أمل تقريب الموعد مع احترام المهل الدستورية، وذلك لإجراء الانتخابات قبل بدء شهر رمضان، وقوبل الطرح برفض من التيار الوطين الحر الذي أصر على إجرائها في شهر أيار، إلّا أن صلاحية تحديد الموعد تعود للحكومة، فحقق التيار الحر مكسباً مع نية عون الامتناع عن توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في وقت مبكر.

تأزم العلاقة بين حزب الله والتيار 
في الأيام الأخيرة من العام 2021، دار حديث عن صفقة قد تُعقد، جوهرها يدور حول مقايضة ملف تحقيقات انفجار المرفأ باقتراع المغتربين، فيخرج حزب الله والتيار الوطني الحر رابحان بتحقيق أهدافهما في هذين الملفين، على أن يتم الافراج عن الحكومة، لكن الصفقة لم تنجح، فخرج رئيس التيار جبران باسيل ورفع السقف بمواجهة حزب الله، متهماً إياه إلى جانب حركة أمل بالوقوف خلف تسييس قرار المجلس الدستوري لعدم إصدار أي قرار بالطعن حول قانون الانتخابات.

تأزمت العلاقة بين الحليفين، أقلّه على الإعلام، ومن المتوقع أن تشهد تصعيداً مدروساً خصوصاً من قبل التيار الوطني الحر الذي يشعر بتغيّر المزاج الشعبي والمسيحي بشكل خاص، والذي يسعى إلى شد العصب المسيحي ومنافسة القوات اللبنانية عبر رفع السقف ضد حزب الله والادعاء باستقلالية قراره عن الحزب.