معالجة النفايات بالتفكك الحراري: جهل وتجهيل

محمود الأحمدية |

من كثر حرصي على أن تأتي مقالتي واقعية علمية لا تعترف بالعاطفة... ملف النفايات أخطر ملف بكل المقاييس بعد أن غرق الجميع دولة وشعباً في النفايات وعلى مرأى من كل فضائيات العالم جرى نهر أبيض من النفايات في مشهد من الصعب نسيانه في وطن كان في يوم من الأيام قبلة الأوطان في البيئة النظيفة بأبعادها الثلاثة: ماء وهواء وتربة...

وبعد أن علا صوت الحل بالتفكك الحراري ومن شدة حرصي على أن تأتي مقالتي علمية وواقعية وبعيداً عن العاطفة والضجيج الذي لا يوصل إلى أي نتيجة، اتصلت بأخي في إيطاليا وهو مهندس مدينة مودينا في شمال إيطاليا ونائب رئيس بلديتها وقد تمّ انتخابه بواسطة الشعب ومنذ عدة سنوات...
سألته: نبيل هل تحرقون النفايات في مودينا في إيطاليا؟ وبطريقة التفكك الحراري؟ فكان جوابه واضحاً كالشمس: النفايات بشكل عام: ناشفة وعضوية وعوادم... كل النفايات بأنواعها يتمُّ فرزها في المنازل أي الفرز من المصدر... فتتوزع عبر عدة مجموعات: المواد الناشفة الصلبة وبعد عملية التدوير يتم استعمالها من جديد بحيث يخف حجم النفايات بشكل عام وتصبح ذات فائدة وقيمة بالبُعدين المادي أي تسييلها إلى نقود وأرباح مادية والبيئي أي المحافظة على الموارد الطبيعية لأرض كوكبنا فمثلاً الزجاج بتدويره أو بإعادة استعماله نخفف من المراحل لأن أصوله الصناعية الرمل وبتدوير الورق نخفف الضغط على الأشجار وهكذا نسبة لأكثرية المواد الصلبة الأخرى... أما المواد العضوية فتتحول إلى سماد نظيف طبيعي صالح للزراعة وبطريقة بعيدة عن الكيميائيات...

أما النفايات الوحيدة التي تتمُّ معالجتها بطريقة التفكك الحراري فهي العوادم... وهي لا تتجاوز 8% من النفايات والمهم معرفته أن في لبنان النسبة المئوية للمواد الناشفة الصلبة 35-40% والمواد العضوية 50-55% فيبقى للعوادم حوالي 5-10%.

والمفارقة الأساسية وإذا كان الكلام الرسمي على لسان بلدية بيروت ومسؤوليتها أنّهم سيطبّعون الفرز من المصدر، باختصار شديد مسألة إقامة منشآت التفكك الحراري تصبح مقتصرة على معالجة وحرق 10% فقط من مجمل النفايات... وفرضاً أن عدد سكان بيروت مليون نسمة الإنتاج اليوم من النفايات يبلغ حوالي 1000 طن على أساس أن إنتاج الفرد حوالي 1 كلغ في اليوم... ونسبة العوادم 100 طن يومياً وهي المفروض أن تذهب إلى منشأة التفكك الحراري... وعلى حدّ علمنا أن المنشأة المنوي تركيبها في بيروت وعلى مساحة 30000 م2 قادرة على معالجة وحرق 700 طن نفايات وتحويلها إلى طاقة كهربائية!!! وهنا أقولها بكل وضوح تنكشف العملية وكأننا ندور في الزمن إلى الوراء 25 عاماً وإلى مطمر الناعمة بالذات والذي أقيم على أساس طمر العوادم فقط وأُنشئ على أساس أن يخدم ثلاثين عاماً فإذا به يمتلئ في غضون ثلاث سنوات حتى وصل إلى 30 مليون طن في النفايات كل ذلك يعود إلى الفساد الحقيقي للذين كانوا يدخلون كل أنواع النفايات إلى المطمر بدل أن يستقبلوا فقط وفقط العوادم...!!

بربكم أليس مهزلة أن نحرق كل أنواع النفايات وخاصة الرطبة العضوية التي تحتاج رطوبتها إلى تجفيف قبل عملية التفكك الحراري وهذه العملية لوحدها تشكل عقبة كبيرة!! وما أدراك ما الرماد المتطاير السام وبكل أنواع الديوكسينات ونحن نتكلم علمياً وبعيداً عن العواطف والديوكسينات 75 نوعاً كلها تؤدي إلى الأمراض الخطيرة وأخطرها السرطان والاختناق والحساسية!! ولن أغوص في تقنيات التفكك الحراري ولكنني أنبه وبأعلى صوت وباختصار شديد إياكم وإعادة تجربة مطمر الناعمة في فوضى استقبال النفايات: العوادم فقط... العوادم فقط... العوادم فقط... وأن غداً لناظره قريب... أقولها بكل ثقة وبتخوف كبير مما نحن قادمون عليه بدل التركيز على ما تقوم به دول العالم كافة وهو الفرز من المصدر والتدوير والتسبيخ بعد سياسة استراتيجية لتخفيف النفايات وتحويلها إلى نعمة حقيقية تدر ثروات وتدر آلاف فرص العمل...