"التنمية والتأهيل" بقعة ضوء رغم السواد.. رجاءً لا تيأسوا

17 كانون الأول 2021 08:14:56

في الزمن الصعب الذي يعيشه لبنان ورغم كل الأزمات، هناك مَن يناضل بعيداً عن الأضواء من أجل المهمّشين في هذا البلد، ومن أجل عائلات تعيش الغصّة وحيدة. ورغم كل السواد هناك بقعة ضوء تثبت أن إرادة الحياة أقوى من ثقافة الموت، فكيف إذا ما كانت تلك الإرادة الصلبة في عيون وقلوب أطفال شاء قدرهم أن يكونوا من أصحاب الإحتياجات الإضافية، لكنهم يثبتون أنهم الأجدر بالحياة وانهم يستحقون الفرصة والدعم.

ففي شقة صغيرة في بلدة السمقانية الشوفية أضيئت الشمعة الأولى لمشروع يعنى بتأهيل وعلاج ذوي الاحتياجات الخاصة، وإذ بالضوء يكبر كما الفكرة الحلم، وكان المركز الوطني للتنمية والتأهيل الذي بات يضم اليوم 320 طفلاً من ذوي الاحتياجات، 100 طفل سوري و220 طفل لبناني.
"هذا الطفل لا يجب أن يكون مهمّشاً وان لا يكون له أي دور لا بل لديه قدرات علينا تنميتها وإظهارها"، هكذا يعلّق مدير المركز الدكتور وئام أبو حمدان في حديث لموقع mtv، مؤكداً أن المهمة ستستمر من أجل هؤلاء رغم كل المعاناة والاوضاع التي يمر بها البلد، لأنهم يستحقون الحياة.
المركز الوطني للتنمية والتأهيل الذي يُعتبر استمرارية لمؤسسة الجبل لرعاية شؤون المعوّقين والتي كان مقرّها في عبيه في العام 1986 وكانت تهدف لتأمين الأطراف الاصطناعية لجرحى الحرب وعضو منذ الثمانينات في اللجنة الوطنية لمساعدة ضحايا الألغام واللجنة الوطنية للتوعية على مخاطر الالغام، تطوّر ويسعى لتوسيع رقعة خدماته الجغرافية في ظل ضعف المؤسسات وامكانياتها، حيث باتت مروحة الخدمات تشمل عدداً من المناطق اللبنانية خارج نطاق الشوف وعاليه، ويتم العمل على المساعدة قدر الامكان. 

ومن المشاريع البالغة الاهمية للمركز هي إنشاء مصنع للأطراف الاصطناعية، حيث تم التعاقد مع معمل في بلدة قبيع ويجري تأمين حوالى 80 طرف اصطناعي في السنة، والتي يتكفل صندوق التأهيل الدولي WRF بقسم مقبول منها، لكن المركز يتحمّل العبء الأكبر في ظل الدعم الضئيل من الجهات المانحة الدولية الأخرى.
وبهدف الإحاطة بالحالات التي تزور المركز من كافة الجوانب، ففي المركز عيادات خارجية تضم العلاج النفسي، العلاج الحسي والحركي، العلاج الفيزيائي، العلاج الانشغالي، علاج النطق، طب الأعصاب وطب الاطفال. كما يتم تأمين المعينات الحركية للأطفال الاكثر حاجة، هذا إضافة الى وجود مرشدات اجتماعيات يتابعن مع الأهل تفاصيل وطريقة التعاطي مع الاطفال، ويُخصص لهن زيارة شهرية للوقوف الى جانب العائلات وإرشادها ودعمها.

هذا وقام المركز الذي يحظى بدعم كبير من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وزوجته نورا جنبلاط بتوسيع نشاطاته، وأسّس مدرسة للصعوبات التعلمية CALE في بقعاتا والتي تؤهل الأطفال للاندماج لاحقا بالمدارس العادية. كما أنشأ في منطقة المناصف - كفرفاقود المركز الوطني للتنمية والتأهيل الفني وهو مشروع مشترك مع المديرية العامة للتعليم المهني والتقني لتدريب الاشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة على مهن لتحقيق الحد الادنى من الاستقلالية المعنوية والمادية. هذا بالاضافة الى انشاء مهنية لمن ليس لديهم اعاقة لتعليم المهن الحرة في بقعاتا.

النشاطات تطورت أكثر بهدف تمكين أصحاب الاحتياجات الخاصة، وتم إنشاء مشتل بالشراكة مع مؤسسة الفرح ومحمية أرز الشوف ومنظمة الغذاء العالمية، حيث يقوم الطلاب من ذوي الاحتياجات بالزراعة وتوزيع البذور والشتول للمواطنين الاكثر حاجة. كما هناك نقاط بيع للمنتجات التي ينتجها الطلاب في المناصف في أكثر من منطقة في الشوف. 

للمركز شراكات مع "اليونيسيف" والـUNHCR، كما جامعة البلمند وصندوق التأهيل الدولي WRF اللذين يساعدان على تأمين الأطراف الاصطناعية والسماعات والنظارات لكل الأشخاص الذين بحاجة لها أكانوا لبنانيين أو سوريين، ومتعاقد ايضا مع وزارة الشؤون ووزارة الصحة والجيش اللبناني وقوى الامن وغيرها من الجهات الضامنة. 
ولكن أسوة بكل مؤسسات الرعاية في لبنان الشكوى دائماً من الدولة وتقصيرها، إلا أن الصرخة هذه المرة مختلفة في ظل الانهيار الكبير لليرة في حين تستمر التعرفات الرسمية كلها على تسعيرة الـ1500، ما ينعكس مأساة في المؤسسات الاجتماعية والمركز الوطني واحد منها، كما يؤكد بو حمدان، فهل يُعقل مثلاً ان تكون تعرفة زيارة الطبيب والمعالج لا تزال 50 الف ليرة وفق العقود المشتركة مع وزارة الشؤون والتي تغطي رواتب المعالجين والاطباء في المؤسسات؟
ففيما تقوم "اليونيسيف" والـUNHCR بتمويل التلامذة السوريين المئة في المركز من تأهيل ورعاية وعناية، تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بتغطية 89 طفل لبناني من أصل 220، ولكن بمبالغ أصبحت زهيدة جداً ومن دون أي قيمة، لا بل باتت تشكل عبئاً، خصوصاً وان تكلفة الأطفال اللبنانيين الآخرين هي على عاتق المركز.

وكشف بو حمدان أن دراسة الكلفة التي تجريها وزارة الشؤون لكل حالة من ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات سنوياً، أجريت آخر مرة وطُبقت في العام 2011 في عهد الوزير السابق وائل أبو فاعور، في حين دُرست ولم تطبق في سنة 2012 وحتى تاريخه لم تجر أية دراسة كلفة اخرى رغم كل التحولات التي حصلت لا سيما أخيراً وانهيار العملة الوطنية.

وفي حين للمركز عقد مع وزارة الشؤون الاجتماعية أسوة بمؤسسات الرعاية التي يبلغ عددها 102 مؤسسة، أشار بو حمدان الى المعاناة في تأخير العقود والبيروقراطية داخل الوزارات، مطالباً بسلف ورفع سعر الكلفة للسماح للمؤسسات بالاستمرار وهي التي تنهار وتقفل تباعاً ما يهدّد هذه الشريحة المهمشة أصلاً بشكل كبير جداً. 
 فهل تصل الصرخة ولو مرة الى آذان المعنيين؟ وهل يعرف المسؤولون عن هذا الملف أن اقفال مؤسسة رعاية واحدة سيعني موت عشرات العائلات اجتماعياً ومعنوياً ونفسياً ومادياً؟

التحدي كبير لكن يبقى الأمل بأصحاب المبادرات والأيادي البيضاء، وكم نحتاج لأبطال أمثال أطفال المركز الوطني للتنمية والتأهيل والمؤسسات التي تحمل هذه الرسالة.
رجاء لا تيأسوا...