الشرفاء لا يرحلون

19 نيسان 2019 17:02:18

عادةً ما تتسع صفحات التاريخ وبواطن الشعوب إلى المناضلين من صفوف أبنائها الذين يرسمون لوحاتٍ لامعة في الأحداث مهما تضاءلت رقعة الملعب، فكيف هو الحال مع الذين يساهمون في ملء زوايا التقدّم وصرح العروبة التقدمية، على هذا المنوال الراقي كان لنا رفاق أحباء في حزب كمال جنبلاط في حاصبيا التي فتحت قلبها وذراعيها منذ بدء الرسالة التقدمية في خمسينيات القرن الماضي وتدرج على سلم النضال فيها المئات من الذين يعشقون الحياة ويعملون لتقدمها والقافلة تطول بالأسماء البارزة وفي طليعتها ثلاثة من المثقفين ينحدرون من بيوتٍ راقية ويؤدون القسم لرسالة المعلم أعني بهم المرحومين نجيب شمس والمحاميين إبراهيم قيس واسكندر غبريل والذين انضمّ إليهم بعد فترة المحامي الأمير طارق شهاب، هؤلاء القادة ما كانوا ليُبلّغوا الرسالة التقدّمية ويُعطوا حاصبيا والجوار هذا الوهج النضالي لولا اندفاع المئات من الشباب في تنفيذ هذا الحراك الفكري والإجتماعي والأخلاقي في أوساط الناس مصدر كل السلطات منبت القامات الشاهقة في سماء الوطن.

في آذار الفائت خسرت حاصبيا وجوارها إثنين من هذه الأعلام الحمراء المشبعة بروح العدالة والحرية والصدق والوفاء لأصولها العربية والإنسانية، أولهم الرفيق المرحوم نجيب منصور الكاخي الذي كان من الرعيل الأول الذي تجاوز الحملات الدعائية التي كانت تنصب العداء لرسالة المعلّم في أوساطٍ تغتالها العصبية ورواسب الجهل، فاْنبرى بمعوله ينشد الحرية ولما لم يسعه الوطن كان له في مغتربه في فنزويلا أروع آيات الكفاح في العمل والجهد فأحرز نجاحاً باهراً وما زال المئات من المغتربين في كراكاس يحفظون صورة وصوت ذلك الجائع إلى الحرية والعدالة.

أحرز نجاحاً مع قرينته ممّا أعاده إلى حاصبيا موفور الجاه والكرامة فشارك أهلها ورفاقه مسالك النضال ولم يفتّ عضده ظروف إستثنائية حكمت بلدته وحاولت تشويه صورتها وما قدرت وكان من أروع ما قام به تخليداّ للفروسية التقدّمية أن قدّم أرضاً إشتراها من ماله الخاص دون وراثةٍ أوهبة، قدّمها لوزارة التربية لتبني عليها ثانوية رسمية. عدا عمّا حاكه من علاقات ودٍ وصداقة على دروب النضال التقدّمي في حاصبيا وجوارها. فله الرحمة ولأهله ورفاقه حفظ السيرة الحسنة والمثال الخلّاق من أجل المواطن الحر والشعب السعيد.

أمّا الوجه الناصع الآخر الذي خسره لبنان ومعه حاصبيا والجوار فهو القائد الرائد والمناضل الفذ والمثقف البارز الأمير الحبيب طارق شهاب، من سلالةٍ عريقة في التاريخ كان لها صولات وجولات. تنكّب على كتفيه وفي حناياه رسالة المعلّم كمال جنبلاط فكان من الرعيل الثاني القائد في حزبنا التقدّمي. ما يزيد عن الخمسين عاماً قضاها في مسالك الجهاد من أجل الحرية والعدالة والعروبة التقدّمية وكانت أولى إطلالاته على العمل السياسي منحازاً إلى الطبقة العاملة في 26/9/1965 في مهرجان بتخنيه الشهير لدعم مزارعي لبنان فحمل هموم حاصبيا ومزارعيها معلناً ليس الإنحياز فقط إنّما حملُ مشعل النضال من أجل وضع سياسةٍ وطنية تهتم بالمزارعين وتعيد الإعتبار إلى القطاع الزراعي الذي مازال حتى اليوم نتيجة لسوء سلوك السلطة تاريخياً يحكمه التراجع ويتحوّل المزارع فيه إلى فقيرٍ جائع.

في مهرجان التفاح والإنتاج الزراعي كان الرفيق الأمير خطيباً مفوهاً مع شلّة من أركان السياسة الشعبية من أعرق المكافحين عن حقوق الطبقة العاملة وفي طليعتهم السيدة نهاد سعيد والقائد محسن ابراهيم واللواء جميل لحود ود.حسين أبوالحسن حيث كانت التوصيات تركز في معظمها على مبدأ التوازن التجاري بالنسبة للإستيراد والتصدير مع كافة دول العالم وما زال هذا المطلب قائماً !!

أمّا الإطلالة الثانية فكانت في أيلول 1971 يوم احتضنت الساحة الشهابية في حاصبيا وكان حزبنا في أرقى معارجه، الذكرى الأولى لرحيل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر يومها انحازت القلعة والساحة والإمارة والتاريخ الشهابي إلى العروبة التقدّمية مع كمال جنبلاط هاتفةً لروح عبدالناصر بالخلود ولرسالته بالإنتصار.

أمّا في الأسرة الشهابية الكريمة فكانت للرفيق القائد إنجازات رائعة يلاحظها المجتمع الحاصباني أهمها أنّ الأمراء السادة: رياض وعصام وخالد وفاروق وفؤاد وغيرهم وأبنائهم المجلين في عالم الطب والهندسة والإدارة والمحاماة والناجحين بعلمهم وكدّهم وجهدهم باتوا بيارق راقية في معارج الحياة وسجلات الشرفاء الذي يخلدون المنبت الطيب ويسلكون دروب المعرفة والخدمة العامة باْعتزاز وفخر.

إلى الأمير الرفيق ألف تحية وإلى السائرين على دربه كل الود والمحبة.