اقتصاد لأجل الإنسان

08 كانون الأول 2021 22:37:59

السادس من كانون، ثورة في عالم الإنسان؛
ثورة العدالة الاجتماعية؛
ثورة كل عامل وطالب وكادح؛
ثورة الحقّ الاقتصادي الإنساني،
طاب ذِكرُها، وعظُم صَخَبُها...

جاهد المعلِّم كمال جنبلاط من أجل رفعة الإنسان وتوفير المناخات الملائمة لبناء شخصيّته وتحقّق إنسانيّته، كونه محور الوجود وغايته الأسمى.

وما غوغائية الاقتصاد في مرامي فكر المعلِّم جنبلاط، من كونها ناجمة عن فصله عن كل اعتبارٍ لمفاهيم العدل الإنساني والمساواة الوظيفية، كما وعن نقصٍ في تطبيق معايير عدالة التوزيعات للثروة، وبالتالي فصله عن أهدافه الاجتماعية والغايات الإنسانية التي من أجلها يكون الإنسان ويحيا.

فالدولة تُقَدّس أو تُلعَن، تَخْصُب مؤسّساتها أو تَعقُم، بقدر ما تخدم أو لا تخدم هذا الإنسان..، وعلى هذا، كان تعبير المفكّر جنبلاط صادقاً عمّا يكنّه للإنسان في تحريره من رتق مصاعب الحياة وقساوتها، أن جاهد منطلقًا من:

أولاً: سعيه إلى حثّ الدولة على اعتماد سياسة واضحة للعمالة اللبنانية تهدف إلى زيادة الإنتاجية وإلى خلق فرص عمل، وإلى حمايتها أمام تسرّب العمالة الأجنبية، إلى جانب وضع برامج للتأهيل والتدريب المهني والحِرفي، وإلى تحسين أجور العاملين في القطاع العام، ما يقطع دابر الرشوة.

ثانياً: سعيَه إلى دعم الحركة التعاونية، وتوفير المناخات لاستمراريتها وثباتها، والتي تسهم في الحدّ من الاحتكارية التجارية، وإلى تخفيض الأسعار والرقابة على السّلع.

ثالثاً: مطالبته الدولة لتقديم يد العون للمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والذي يرى فيها جنبلاط أنّها تشكّل عضداً مساهماً للاقتصاد المحلي، ومن كونها مكملاً للقطاعات الإنتاجية الأخرى في توفير فرص عمل جديدة وإسهامها في زيادة الإنتاجية الوطنية، وبالتالي دورها في ربط المواطن باقتصاد الريف.

رابعاً: على المستوى الصحي؛ أن طالب بوضع سياسة صحيّة ينتظم بها هذا القطاع، ويشكّل ضمانة استشفائية لجميع أبناء الوطن دون استثناء، كما ترشيد سياسة الدواء ومنع الاحتكار الدوائي، ودعم الصيدليات التعاونية وجعلها بمتناول الفئات الشعبية، وشعاره في ذلك: "أنّ الدواء للجميع".

خامساً: على صعيد التعليم؛ أن سعى إلى رفع مستوى التعليم الرسمي معتبراً أنّ الإنفاق الحكومي على التعليم هو إنفاق منتِج، داعياً إلى تثبيت عدالة التعليم، فلا حصرية له على أبناء الميسورين والأغنياء، مما يناقض مبدأ ديمقراطية التعليم، "فالتعليم للجميع". كما دعا إلى إعلاء مستوى التعليم المهني والتقني في مدى جدواه على الاقتصاد الوطني.

سادساً: في السكن؛ حيث طالب بسياسة إسكانية تقوم على استخدام الدولة لقسمٍ من أملاكها، ومشاعاتها، وأملاك البلديات، لحلّ هذه الأزمة الاجتماعية. وتشجيع التعاونيات الإسكانية وتوظيف الأموال الإحتياطية العائدة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لإقامة مشروعات سكنية.

سابعاً: أمّا في الضمان الاجتماعي؛ بتطوير أساليب الجباية وضبط نفقاته، وتطبيق فروع الضمانات كافة، ونظام التقاعد ما بعد العمل، وضم العمال الزراعيين وغيرهم إلى تقديماته.

ثامناً: وفي النقل؛ بتوفير سبل النقل المشترك، وتوسيع شبكات المواصلات لتشمل كافة المناطق اللبنانية والأرياف، ما يسهم في خفض تكاليف التنقلات على المواطنين.

تاسعاً: وفي الضرائب؛ باعتماد سياسة ضريبية ترتكز بجوهرها على توزيع العبء الضريبي على مختلف شرائح الدخل، وتحميل رأس المال القسط الذي يستحقه من الضريبة. وفي هذا ارتكاز إلى مبدأ العدالة الجتماعية.

فالاقتصاد الجنبلاطي الإنساني الحقيقي هو الاقتصاد الذي يوجّه الإنسان إلى ارتباطه بالأرض، ذلك أنّها وحدها هي مصدر بهجة الإنسان، وقوّته المعنوية وارتباطه بتقاليده وحضارته العربية الشرقية، ولكل حضارة إنسانية. فالاقتصاد وُجد لأجل الإنسان، ولم يوجد الإنسان لأجل الاقتصاد، وهو الاقتصاد الذي يتوجّه إلى حاجة الإنسان، لا إلى عامل الطلب وإلى منطق الربح والمال، واللذين يسهمان في استعباد الإنسان فكرياً وعملياً. فجنبلاط يجد في الاقتصاد مظهراً لمجموع قوى وإمكانيات مادّية وعقلية وروحية تتجسّم بالإنسان، ذلك أن الإنسان في كل ما يعمل؛ فهو في العِلم كله، وفي الاقتصاد كله..، فلا اقتصاد بلا عِلم، ولا اقتصاد بلا إرادة، ولا اقتصاد بلا شعور، ولذّة، وألم، ورغبة، وإيمان.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".