طبعة الـ100 دولار "البيضاء" مرفوضة... في لبنان فقط!

08 كانون الأول 2021 07:29:36

صحيح أن عملة المئة دولار الأميركية "الطبعة البيضاء" كما تسمى التي لا تتضمن خطاً أزرق، باتت ورقة نقدية قديمة في الولايات المتحدة ويتمّ سحبها من الأسواق لا سيما طبعة العام 1996، إلا أنها لا تزال قانونية وصالحة للإستعمال ويتمّ قبولها واستبدالها من قبل المصارف بأخرى جديدة تلافياً للتزوير في اي دولة في العالم. فلماذا لا يتمّ قبولها في المصارف الللبنانية؟

 

بدأت القصة منذ نحو شهر ونصف، حين سرت شائعة أن عملة الـ100 دولار القديمة باتت غير متداولة وبعض الصرافين يستبدلونها مقابل عمولة بحجة أنها قديمة. وهكذا انتشرت تلك "الخبرية" واعتمدت كتجارة حديثة في السوق السوداء، فعمدت المصارف بدورها الى رفضها كلياً. علماً ان البنوك هي نفسها "تنكشها" من صناديقها القديمة وتطرحها في الأسواق من خلال تسديدها للمودعين، حتى أن مؤسسات تحويل الأموال باتت لا تقبلها رغم نفيها هذا الأمر. فهل هذا التدبير جائز قانوناً؟

لا قرار رسمياً من نقابة الصرافين او حتى من جمعية المصارف حول هذا التدبير المخالف للقوانين كما علمت "نداء الوطن". اذاً فلا مبرّر قانونياً لتخفيض قيمة العملة واستغلال المواطن لتسديد عمولة، سوى اعتباره "عملاً تشليحياً" أو احتيالياً، وحتى استدراجياً لإخراج الناس دولاراتها المخبأة في الأدراج.

وكأن الخسائر التي مني بها المواطنون واحتجاز جنى العمر في المصارف لا يكفيهم. الآن بدأت عملية المسّ بما تبقى من العملة الخضراء التي يحفظها اللبنانيون للأيام الأكثر سواداً من تلك التي يواجهونها اليوم مع الدولرة التي تتسارع عجلتها في كل القطاعات.

 

قيمة العملة والعمولة

معلوم أن "العملة التي تصدر عن أي مصرف مركزي تحافظ على قيمتها ولا تفقدها أبداً ولو كانت قديمة، حتى ولو أعلن المصرف نفسه الذي اصدرها سحبها من الأسواق، الأمر الذي لا يحول دون قبول البنوك التداول بها، خصوصاً أن تلك العملة الخضراء لها "ثقلها وقوتها" في لبنان بسبب ندرتها، وهي معتمدة في كل دول العالم، ولم تنتقص القديمة منها وخصوصاً الـ100 دولار من قيمتها، فلماذا يحصل ذلك فقط في لبنان؟

وتتراوح قيمة العمولة التي يتمّ تقاضيها مقابل استبدالها أو تصريفها بين 5 و8 و10 دولارات وحتى أكثر، كما علمت "نداء الوطن" من احد الصرافين، لافتاً الى أنه "لم يصدر أي قرار حول الحصول على عمولة أو ما شابه، لكنه بدأ استيفاء عمولة بعد أن علم أن كل الصرّافين يتقاضون مبلغاً متفاوتاً والمصارف لا تقبل بها، فلم يكن أمامه مع تزايد الإقبال على تصريف تلك الورقة النقدية أو استبدالها الا السير بالتيار واعتماد هذا الـ"system".

وأضاف: "حتى أن الأوراق النقدية "الصغيرة" لا سيما الـ5 أو 10 أو 20 دولاراً يتقاضى البعض عمولة لتوفيرها للزبائن، بسبب قلة التداول بها والإقبال عليها من التجار الذين يتعاملون بالدولار في استيراد البضائع وتسديد بعض المدفوعات بالعملة الصعبة.

وتعتبر النقود الورقية والمعدنية وتحديداً الدولار، عملة قانونية ولا يحقّ لأحد رفضها أو خفض قيمتها اذ لديها قوة الإبراء باعتبار أنها صادرة بحكم القانون. وبما أن المواطنين غير الملمّين أو المتعاطين بالشأن المالي سيصدّقون مقولة أن تلك الورقة النقدية "لم تعد مقبولة" لدى المصارف، فذلك سيدفعهم الى ايجاد السبيل لاستبدالها أو تصريفها.

كل الإصدارات صالحة

وحول ذلك أوضح البروفسور مارون خاطر لـ"نداء الوطن" أنه "وفقاً للقوانين الأميركية كل الإصدارات صالحة للتداول بها إلا اذا كانت تالفة أو إذا تعذَّر فحصها باستعمال كاشف للعملة النقديَّة"، لافتاً الى أن "المئة دولار التي لا يتم القبول بها من قبل المصارف اللبنانية هي ما باتت تعرف بـ"الطبعة البيضاء" إذ يسمَّى الاصدار الجديد بـ"الطبعة الزرقاء".

من هنا، يلفت أن "من يحمل 100 دولار قديمة يجب أن يتمكن من تبديلها أو من استعمالها للدفع أو التحويل لدى المصارف الأمر الذي لا يحصل حالياً، علماً أن المصارف هي التي تضع تلك العملة في التداول من خلال وسائل الدفع المعتمدة منها وتحديداً صرافاتها الآلية".

وأضاف خاطر: "حتى أن التحويلات من الخارج الى الحسابات "الفريش" لا تسدد الى المستفيدين بدولارات من الإصدارات الجديدة، بل تعمد المصارف الى التخلّص من العملة القديمة التي لديها وهي نفسها لا تقبلها. في هذا الإطار سأل خاطر: طالما أن المصارف لم يعد لديها دولارات، من أين تأتي تلك العملة القديمة المتداول بها؟

ورداً على سؤال، أشار الى أن "دولاً اخرى واجهت مشكلة مشابهة كالمغرب مثلاً، حيث عمدت المصارف الى عدم القبول بالعملة الخضراء القديمة وقام الصرافون بفرض رسوم على التبديل. دفع ذلك المصرف المركزي الى اتخاذ قرار ألزم المصارف بتبديل العملة من دون مقابل وألزم الصرافين بإعادة الأموال المستوفاة الى أصحابها".

إنطلاقاً مما تقدَّم، يرى خاطر "أن أي حلّ لا بدَّ أن يرتكز على اتخاذ مصرف لبنان قراراً يلزم التعامل بالاصدارات القديمة وينظم عمليات الاستبدال بعد أن تستعيد بعدها الروتيني فتُشحن، علماً أن كلفة الشحن أقل مما تستوفيه المصارف من عمولات على حسابات المودعين لديها".

وبانتظار ايجاد حلّ لقصّة الـ100 دولار البيضاء التي تخبّئ في طيّاتها أسباباً أخرى، يبقى الإعتماد على الدولة والسلطات النقدية لوضع حدّ لفوضى التجارة بالسوق السوداء عبر التلاعب بقيمة العملة الخضراء.