"معاهدة كويرينالي"... مقدّمة لأوروبا جديدة؟

27 تشرين الثاني 2021 16:28:13 - آخر تحديث: 27 تشرين الثاني 2021 16:30:07

لم تكن "الضجّة الإعلامية الكبيرة" التي رافقت توقيع فرنسا وإيطاليا على معاهدة تعاون ثنائيّ في غير محلّها أو مبالغاً بها. ولا ترتبط أهمّيّة المعاهدة بأنّها تأتي في سياق طيّ خلاف ديبلوماسيّ سابق بين البلدين وحسب.

شهد قصر كويرينالي الرئاسيّ في روما يوم الجمعة توقيع رئيس الحكومة الإيطاليّ ماريو دراغي والرئيس الفرنسيّ على "معاهدة التعاون الثنائيّ المعزّز"، والتي تعدّ المعاهدة الثانية من نوعها التي تبرمها فرنسا بعد معاهدة الإليزيه سنة 1963 مع ألمانيا. وحضر الرئيس الإيطاليّ سيرجيو ماتاريلا حفل التوقيع الذي تخلّله تحليق طائرات فرنسيّة وإيطاليّة رسمت ألوان علمي البلدين فوق العاصمة الإيطاليّة.

سرور فرنسيّ

في 7 شباط 2019، وقع أسوأ خلاف ديبلوماسيّ بين البلدين منذ الحرب العالميّة الثانية، حين استدعت فرنسا سفيرها في إيطاليا عقب لقاء نائب رئيس الوزراء الإيطاليّ حينها لويجي دي مايو بممثّلين عن "السترات الصفر". وكتب دي مايو آنذاك رسالة توضيح في صحيفة "ألموند" لفت فيها إلى أنّ إيطاليا تنظر إلى جارتها كمساهم في الكفاح من أجل الحقوق المدنيّة، مضيفاً أنّه اجتمع بممثّلين عن "السترات الصفر" لأنّ مستقبل السياسات الأوروبية لم يعد يكمن بين أيدي اليمين واليسار. على الأرجح، لم يقنع هذا الكلام الرئيس الفرنسيّ كثيراً. فهو أساساً آت من خارج الاصطفاف السياسيّ التقليديّ لليمين واليسار. لكن على عكس الحكومة الإيطاليّة آنذاك، لم يكن مجسّداً للتيّار الشعبويّ الأوروبّيّ. في الواقع، تمّ الإعلان عن المعاهدة في 2017، لكنّها جُمّدت في 2018 بعد وصول الشعبويّين ("النجوم الخمس" و"الرابطة") إلى الحكم.

أمّنت رئاسة دراغي للحكومة في شباط 2021 فرصاً لإعادة تعزيز العلاقات بين فرنسا وإيطاليا، علماً أنّ حكومته السياسيّة-التكنوقراطيّة تضمّ "الرابطة" و"النجوم الخمس" اللذين أصبحا أضعف من السابق. حتى أنّ رئيس "الرابطة" ماتيو سالفيني اتّهم دراغي عندما كان يتولّى رئاسة البنك المركزيّ الإيطاليّ بأنّه "متواطئ" في "المجزرة" الاقتصادية التي تعاني منها إيطاليا. لكنّه عاد ودعم دراغي في مهمّته الجديدة. اليوم، يحظى دراغي بتجربة ناجحة في الداخل الإيطاليّ الأمر الذي يمكّنه من خوض سياسة خارجيّة جريئة. "معاهدة التعاون الثنائيّ المعزّز" أو اختصاراً "معاهدة كويرينالي" نموذج عن ذلك. ولا جدال كبيراً بشأن سرور ماكرون لجرأة دراغي.

ماكرون بين لحظتين

يحاول الرئيس الفرنسيّ إيجاد دور لبلاده في أوروبا ما بعد ميركل. قال ماكرون خلال التوقيع على المعاهدة إنّ "ميركل ما زالت في المنصب حتى اليوم" وإنّ فرنسا لا تبحث عن "طرق بديلة" للعلاقات الفرنسيّة-الألمانيّة بعد رحيلها. يمكن ألا يكون ماكرون في نيّة السعي إلى تعبيد طرق كهذه. لكنّ المؤكّد أنّ رفض المستشارة المنتهية ولايتها أنجيلا ميركل لمشاريعه الداعية إلى "الاستقلالية" الأوروبية أنهكه. بهذا المعنى، هو يراهن على أن يكون الائتلاف الألمانيّ المحتمل بقيادة "الديموقراطيين الاجتماعيين" أقلّ حذراً من ميركل في المسائل التي تخصّ موقع أوروبا الدوليّ. لكن إذا ثبت أنّ المستشار المتوقع أولاف شولتز سيلعب دور المكمّل لمسار ميركل، فسيكون ماكرون قد اختار عمليّة "تحوّط" عبر تعزيز التحالف الديبلوماسيّ والدفاعيّ والثقافيّ والاقتصاديّ مع إيطاليا والتي نصّت عليه المعاهدة.

من ناحية المبادئ العامّة، ثمّة الكثير من القيم التي تجمع الدولتين (القيم الجمهوريّة وحقوق الإنسان...) وهذا ما شدّد عليه ماكرون ودراغي في مواقفهما الجمعة. على الصعيد العمليّ، يؤمن دراغي أيضاً بـ"أولويّة أوروبا" في العلاقات الدوليّة وهو أمر مناسب لتطلّعات ماكرون في هذه اللحظة: لا ينتظر الرئيس الفرنسيّ فقط شكل السياسة الألمانية بعد مغادرة ميركل وحسب، بل يريد تعزيز موقف بلاده أوروبياً إذ يواجه مشاكل حادّة مع جارته المملكة المتحدة. وشنّت وسائل إعلاميّة بريطانيّة حملة انتقادات عنيفة ضدّ الرئيس الفرنسيّ، متّهمة إيّاه باستخدام المهاجرين للضغط على بريطانيا تماماً كما يفعل الرئيس البيلاروسيّ ألكسندر لوكاشينكو على الحدود مع بولونيا. هذا ما كتبه غافين مورتيمر في مجلّة "سبكتايتور" البريطانية فوصف موقف فرنسا ممّا يجري على الحدود مع بيلاروسيا بأنّه "نفاق".

وبلغت العلاقات الفرنسية-البريطانية مستوى جديداً من التأزّم يوم الجمعة مع دعوة ماكرون رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى التحرّك "بجدّيّة" لإيجاد حلّ لأزمة المهاجرين عبر القنال الإنكليزيّ. وكان جونسون قد وجّه رسالة إلى ماكرون مساء الخميس، سرعان ما انتشرت على الإعلام، مطالباً فيها بإجراء فرنسا دوريّات بحريّة في مياهها الإقليمية لمنع المهاجرين من الوصول إلى بريطانيا. لكنّ ماكرون اعترض علناً على نشر مضمون الرسالة. في ظلّ التدهور الذي يبدو أنّه لا يعرف حدوداً بين فرنسا وبريطانيا، تعدّ العلاقات بين باريس وروما متنفّساً جديداً للإليزيه ومنصّة لنشر نفوذه في "أوروبا الجديدة": أوروبا ما بعد ميركل وما بعد "بريكست" معاً.

على الطريق الصحيح

مؤشّرات تحقّق طموحات ماكرون القارّيّة تبدو متوفّرة حاليّاً. يرى الأستاذ الفخري للعلوم الاقتصادية في "جامعة نيويورك" ملفين كروس أنّ نجاح سياسة دراغي/ماكرون ستنقل مركز التأثير في أوروبا نحو الجنوب الأوروبي وتنقل السياسة الإقليمية أكثر باتّجاه الاندماج الأوروبي الأوسع. ويتّفق الرجلان على مسألة الدفاع الأوروبي وقدرة القارّة على التحرّك بشكل مستقلّ كقوّة عسكريّة مع الحفاظ على الالتزام بحلف شمال الأطلسيّ، في وقت يدعم بايدن هذا التوجّه بحسب الأستاذ الجامعيّ نفسه. ويضيف أنّه مهما كانت سياسته المستقبلية، لن يرفض الائتلاف الجديد في ألمانيا أفكار ماكرون بشكل فوريّ كما كانت تفعل ميركل.

وأشارت "بلومبيرغ" أيضاً إلى تحقيق "محور قوة" جديد في الاتحاد الأوروبي مع المعاهدة الجديدة ذاكرة نقاط تقارب كثيرة بين الرجلين (مثل سياسات النقد والتعافي) والتي ساعدتهما على حلّ مشكلة المهاجرين من ليبيا واستحواذ شركات فرنسية على أخرى إيطالية وغيرها.

يحتاج تبلور هذا التحالف الجديد على المستوى الأوروبي والدولي إلى المزيد من الوقت. الآن، تبدو الصورة العامّة إيجابيّة بالنسبة إلى ماكرون. لكن هل هي تخلو من التحدّيات؟