الأمن القومي العربي والطموحات الإمبراطورية المُتجددة

25 تشرين الثاني 2021 08:25:24

هناك اضطرابات جيوسياسية كبيرة تحصل في المنطقة العربية، وعلى امتداد الساحة الشرق أوسطية والأوراسية برمتها، وتشبه الوضعية العربية الراهنة، حالة الإمبراطورية العثمانية في العشريتين الأولى والثانية من القرن الماضي، وقد شُبهت في حينها بالرجل المريض، وتسابقت الدول الكبرى على اقتسام تركتها المترامية.

الأمن القومي العربي يعاني من تحديات كبيرة، ولم تنجح المحاولات المتكررة في استعادة المبادرة ووقف حالة التراجع حتى الآن. فالمبادرة المصرية في جمع دول الهلال العربي الخصيب لم تتبلور بصيغتها الفاعلة بعد، والتماسك الخليجي في مواجهة الاستهداف الإيراني من بوابة اليمن لم ينجح في إقفال أبواب الاستباحة ولا في تقويض جنوح العدوان، ووضعية المغرب العربي على صورتها الحالية المُشتتة ليست قادرة على إحداث علامة فارقة في مساحة الترهُل العربي العام، لأن التباين في المواقف بين المغرب والجزائر لا يزال قائماً على مجموعة من الملفات، ولكون الاضطراب الذي تعاني منه تونس وليبيا لم ينتهِ بعد.

 

الطموحات الأمبراطورية المتجددة تبحث عن مقومات الانبعاث في الساحة العربية، ومن الواضح أن هذه الطموحات تلاقي تشجيعاً معلناً أو ضمنياً من قوى دولية كبرى، ومن الصهيونية العالمية، لأن هؤلاء لا يروق لهم رؤية مشهدية عربية متماسكة، لكون هذه المشهدية تتعارض مع الرؤى العقائدية لدى هؤلاء في الدرجة الأولى، ولأن هذه القوى تستفيد من سياسة نهش الغنائم العربية، اذا ما تلاشت قدرة أصحابها في الدفاع عنها.

 

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان الأصرح تعبيراً عن الوقائع عندما قال: "العرب هم الأضعف حالياً وغير قادرين على حماية أنفسهم، ولا بد من قوى تحمي الإسلام السنيّ من الهجمة التي يتعرض لها". وأردوغان لديه طموح متجدد باستعادة الأمجاد العثمانية وفرض وصاية على العرب والمسلمين "السنّة" بوجهٍ عام.

 

لكن الوضعية التركية اليوم ليست بأفضل حال، وهي تعاني من تراجع اقتصادي واضطراب داخلي ومحاصرة خارجية، ولم تنجح محاولاتها في فرض نمطية "إخوانية" على العديد من الدول العربية أو الآسيوية، بل على العكس فقد سببت سياستها بانتكاسة استراتيجية لها ولهذه الدول، وما جرى في ليبيا خير دليل على تلك المقاربة.

 

 يرى مراقبون من أصحاب الرأي أن العرب هم الضحية الأولى لما يجري في الشرق الأوسط، وهناك نوع من التفاهُم غير المُعلن- او تقاطُع مصالح-  بين إسرائيل وايران، هدفه الاستيلاء على المنطقة برمتها، وتقاسمها بين امبراطوريتين تقودهما كل من الدولتين، وقد ساهمت قوى دولية عديدة في تسهيل مهمة الدولتين الطامعتين بدوافع تخفي حقداً تاريخياً على العرب، أو بدفع من الحركة الصهيونية المؤثرة على سياسة العديد من الدول الكبرى. وبرأي هؤلاء؛ فإن النفوذ الإيراني هو الوحيد القادر على انتاج حالة من الشرذمة للقوى الأخرى، وامتدادات إيران الجغرافية وتوسعها نحو الهلال العربي الخصيب سيشتت قوة العرب ويمنع تواصلهم. لأن التعاون العربي بين الدول المشرقية كفيل بمكافحة حالات التطرُّف والإرهاب، وهذا التعاون قادر على صناعة استقرار أمني وتنمية اقتصادية وإحداث تقدم على مستوى التأهيل الإداري والقانوي لبُنية الأنظمة القائمة لتتمكن من التعامل مع التطور التكنولوجي، وهو بطبيعة الحال لن يكون في مصلحة الدول الطامعة بمقدرات المنطقة.


ولا يرى هؤلاء المراقبون أي إمكانية لوقوع صدام بين ايران وإسرائيل، والخلاف بينهما يقتصر على مسألة واحدة، وهي صناعة القنبلة النووية الإيرانية. وإسرائيل تعمل لإعاقة هذه المحاولة بكل السبُل المتاحة. بينما تلعب إيران دوراً مركزياً في شرذمة التماسك الاجتماعي العربي والتحريض على التفرقة المذهبية التي لم يعرفها العرب في تاريخهم الحديث،كما أنها صادرت الشعارات الجهادية والاسلامية، وتخفَّت وراءها لتنفيذ أجندتها الخاصة، ولحجب هذه الشعارات الجامعة عن الآخرين، لاسيما منها موضوع تحرير فلسطين، ومقاومة العدوان الصهيوني، وهي بذلك ساهمت في صناعة الإستقرار في محيط إسرائيل لأنها منعت كل المنظمات التي لا تنقاد لسياستها من التواجد الفاعل في هذا المحيط، والتجربة ذاتها قد تتكرَّر في جنوب سوريا، واسرائيل تُدرك أهمية هذه الوضعية من دون أن تعترف بها، او تُعلن عنها. ومن هذه الزاوية يمكن الإشارة الى أخطار المشروع الامبراطوري، أو ما يُطلِق عليه بعض المتنفذين في النظام   "ايران الكبرى " والمدماك الأساس في بناء هذا المشروع كان على حساب تقويض الاستقرار والتماسك الوطني في العراق وفي سوريا وفي لبنان، وإشغال النهوض الاقتصادي والنمو العسكري الواعد لدول الخليج العربي في الساحات اليمنية الوعرة.


ومن الواضح وفقاً لرؤية هؤلاء المراقبين أن ايران سهَّلت الوصول الى التسوية في سوريا عام 2014، عندما أقنعت النظام السوري بتسليم أسلحته الكيميائية مقابل توقيف الضربة العسكرية التي كان يستعد لشنها عليه الرئيس الأميركي باراك أوباما عقاباً على استخدامه الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، وهو ما ضمن لإيران تدخلاً علنياً في سوريا، وبموافقة من روسيا، وقد حظيَ مشروع نزع السلاح الكيميائي برضا كامل من إسرائيل.

 

الأمن القومي العربي في خطرٍ محدقٍ اذا لم تعمد الدول العربية الفاعلة على اتخاذ مواقف حازمة تمنع الاستباحة الخارجية. والطموحات الإمبراطورية المتجددة والطامعة بالأرض العربية تسيرُ على قدمٍ وساق.