حسن غازي: نصف قرن.. نضال ونُبْل

24 تشرين الثاني 2021 12:47:53 - آخر تحديث: 24 تشرين الثاني 2021 12:48:38

لجبين مَن تشرق الشمسُ بعد اليوم؟ 
لمَن يستحي الفجرُ كخدود صبيّة؟
 
إلى مَن تذهبُ عيونُ الأطفال، فرحاً؟ 
حول مَنْ يتحلّقُ الرفاقُ والقضية؟ 
 
حرمونُ.. لِمَن ابْيَضَّ شعرُك هيبةً،  
وفي ستّينِك فيض السواقي الأزلية!  
 
فيروزُ.. عذراً.. إذ لا نايَ.. لا جبران، 
فبدرُ وادي التيم أغمض العيونَ العسلية! 
 
بيروتُ.. فاضَ بحرُك دمعاً، ظنّه مطراَ، 
  أرَأتْ مقلتاك عاشقاً وطنياً، فارساً عربيّا ؟
ها قد ترجّل حسن، فلا تبكِه، 
حسبُكِ أن تذكري من ملأ كأسكِ دمعاً أرجوانيّا؟!! 
 
 
بسم الله..
سأل أحدهم النبيّ محمد(ص) أيُ الناس أحبهم إلى الله فقال: "أنفعهم للناس"!
 أوَليست الزهرة تُهدي شذاها للآخرين ثم تمضي؟!
من قال إن الشمعة تحترق لتضيءَ لنفسها؟!
في أربعينك يا حسن لا يستوي الحديث.. إلا معطراً بسِيَر الورود والشموع والصالحين. 
لقد ظننتُ يا أخي أن مثلك لا يدركهم الموت، أن مثلك لا يرحلون.. أستغفر الله إني لا أجدِّف! لكن مَن حباه الله روحاً تفيض خيراً ونبلاً كروحك، وقلباً ينبض حباً وتسامحاً كقلبك، من نذر عمرَه وجهده لزرع بذور الإنسانية ونشر الفرح أنّى حل، من افترش الأرض وضلال الشجر تاركاً الأَسِرّة لراحة الرفاق، مَن ظلت يُسراه تجهل سرَّ ما قدمت يُمناه .. كان حصادُه الخلودَ في الضمير الجمعيّ ووفاءً في وجدان العارفين وأفئدة المحبين، وصفحاتٍ بِيضاً مشرِقة ومشرّفة على صدر هذا التاريخ القاتم. 
 
حســــــــــــن، يا أخي ورفيقي ومعلمي ومُلهِمي، الآن أعترف لك، بأنني المنكسر المتلعثِم أمام حضرة غيابك..، أهو انكفاءٌ؟ وما عوّدتنا أن تنكفىء، بل ما غادرت الحلَبَة يوماً، فالصراع في قاموسك صراع عقول وإرادات، وأنتَ أنتْ من ارتقى بهذا الصراع سلاحاً وأدواتٍ وصاغ أهدافه الحضارية! أم في غيابك إشهارٌ لثورة أردتها، عند بلوغِك ذروةَ الحقيقة، ما بين الحياة والحياة ما بين القميص والآخر، وإزاء تقاعسِ مجتمعك إلا عن إنجاب المآسي والخيبات و(الطعنات) التي طالما اتسع لها صدرُك؛ ولا يزيدنّ في مسار الجلجلة تنكّرُ بعض المجتمع لرسالتك مراتٍ ومرات قبل صياح الديك...!؟      
أم أردت العبور باكراً نحو موطنك الحلم، حيث يتردد صدى ثورة جمال، أو تتجدد ثورة مبادىء كمال، موطنٌ يمكث فيه نبيُّ جبران، وتشبُّ سبعون نعَيْمة، ويصدح أذانُ القدس وأجراسُها وتراتيلُ فيروز وشجنُ فريد ونصري ووديع؟ ربما ذلك هو لبنانك يا أخي! فاملأ كأسك من خوابيه، واهنأ بسلام سهوله وروابيه، واعلم أن في هبوب رحيلك من يسمع همسَك، من يهيّء لقدومك البخور، من يرى وجهك يعانق الضباب، من يدرك أن لسفرك مع الريح لالتحافك الضوء هدفاً أسمى، هو الحرية!
وهل أُخبرُك يا أخي عن سجننا الكبير؟ حيث صار للوطن ألف اسم، وللفقر ألف باب، وللظلم ألف لون، وللموت ألف حكاية وحكاية، وحدها الحقيقة في موطن الهوان ظلت دون بابٍ لها ولا لون ولا حكاية.
 
وهل أخبركم عن حسن السريرة والسيرة؟!
هذه الشخصية الجدلية التي ألّفت في مسار كينونتها بين القوة والعاطفة بين الحزم والحلُم بين الذكاء والبساطة بين المُثل والواقع وبين المبدأ والتسوية.. فكانت شخصيةً فذّة ذات رسالة إنسانية جامعة قلّما أنجبت أمهات العرب مثيلاً لها، وسيحتاج الزمان والأرض والكواكب للكثير من الدوران ليتسنّى الإتيانُ بنظير لها.
ففي حياته الخاصة كما في مسيرته النضالية والاجتماعية والمهنية والوطنية، تخطى حسن ذاته، فغادر عن سابق إصرار دائرة الأنا إلى فضاءات الجماعة، وتمكن بإرادة رسالية ووعي رسولي من تقليص المساحة بين عالم المثُل وبين الحياة الواقعية على قساوتها. بل هو سرى على خطى "الحلاج" في محاربة الظلم والطغيان في النفس وكذا محاربة الظلم والطغيان في المجتمع، واستشرف لنفسه خارطة حياة في البيئة والزمان اللذين عاصرهما، واختطّ  فلسفته الخاصة القائمة على العطاء الذي لا يبلغ مبلغاً إنسانياً إن لم يكن عطاءً من الذات.    
 
في الوطن الهش المشلع المشرع على شتى التدخلات والأجندات نسج حسن وطنه الافتراضي () على شاكلته، وطناً لا ينال شرف الانتماء إليه سوى الأحرار، وطناً لمن يؤمنون بأن الحياة انتصار للأقوياء في نفوسهم.. حدوده الاعتراف بالآخر والعلاقات الندّية أياً كان معتقد الآخر دون ارتهان أو تبعية، دستوره المحبة والارتقاء في سلم الفضيلة وأرقى الفضائل هي الإنسانية. هكذا تجلى الفكر التقدمي لدى حسن، وهكذا يكون الائتمان على مبادىء كمال جنبلاط والالتزام بها فعلاً لا قولاً. فكان إذا ما سئل عن سبب زهده بمظاهر الحياة، فيما ينغمس آخرون بمراكمة المكاسب، يردد مع جبران: لكم لبنانُكم ولي لبناني!!   
 
وحكاية حسن كرواية "حرّاث الأسطورة" الذي كان يزرع مع كل بذرةٍ شيئاً من ذاته. فقد بذل من نفسه، قبل جهده ووقته وإمكاناته، في كل ما أنجزت يداه. من تأسيسه فوجاً للكشاف التقدمي في عين عطا، حين كانت طبول الحرب تُقرع في منتصف السبعينيات، إلى إعطائه العمل الحزبي بُعده الفكري -الحواري في المصيطبة- بيروت مطلع الثمانينيات، حيث أقلق نهجه هذا أَتْباعَ العقيدة الشمولية فواجهوه بالرصاص مع شقيقه المناضل كمال في 19 أيار 1981، لكن دمَه انتصر لفكره، فنهض فوق الجراح ومضى يؤدي الرسالة بإصرار، فتنقل بين الكثير من المسؤوليات الحزبية والقيادية، مروراً باستحقاقات الدفاع عن الجبل بشتى أشكاله، حتى تسلمِه الأمانة المالية في الإدارة المدنية، وكذا الأمانة المالية للماكينة الإنتخابية في الحزب التقدمي الاشتراكي حتى يوم رحيله، فكان للأمانة تاجَها.  
 
مسيرة حسن النقية قادته لتولّي مهمات استثنائية حين ائتمنه وليد جنبلاط على مساعدة المفكر الروسي إيغور تيموفييف في إعداد الكتاب الشهير "كمال جنبلاط الرجل والأسطورة" الذي صدر عام 2000.  
 
البصمات المضيئة لهذا المناضل الفذ لم تقتصر على العمل الحزبي، بل ترك الكثير منها في العمل الإنمائي في إطار بلدية عين عطا واتحاد بلديات جبل الشيخ، ويكفي أنه مَن أدخل الحداثة والتنظيم إلى العمل البلدي المترهل ابتداءً من عام 1998. ولا يشذ عن تلك القاعدة جهد حسن كخبير محلف لدى المحاكم في المحاسبة والتدقيق، وتقلُدُه عضوية مجلس نقابة خبراء المحاسبة في لبنان. وكذلك دوره الفاعل في إطار اللجنة المالية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز. والمشترك بين كل تلك المحطات والصفات هو الصمت، لطالما آمن حسن بأن "منبر الإنسانية قلبها الصامت لا عقلها الثرثار".
 
وفي أربعينه، ماذا أقول عن حسن الإبن والأخ والزوج والأب والصديق ... ففي كل واحدة أقام حسن مدرسة، سنبقى ننهل منها جميعاً، سيتشرف بها أبناؤنا والأجيال المقبلة، وسيُكتب عنها الكثير..!
أخي ومعلّمي حسن غازي، طيفك حاضر في أعماقنا، ونهجك أمانة في أعناقنا.. رحمك الله!