إستقلال موعود وليس موجوداً

23 تشرين الثاني 2021 12:33:05

لا أدري إن كان يجب أن أبدأ مقالتي بالعبارة الكلاسيكية؛ كل عيد إستقلال وأنتم بخير، لكنني بالتأكيد أتمنى لكم الخير دائماً، بيوم العيد أو بلا عيد. لكنني بتُّ على قناعة تامة أنّ عيد الإستقلال ليس في 22 تشرين الثاني، إنما هو يوم يكون رئيس الجمهورية رئيساً يجرؤ على الحكم باسم الشعب اللبناني، وليس باسم فئوية الحزب أو تبعية الكتلة النيابية، ورزقالله على الزمن الذي لم يكن لدى رئيس الجمهورية حزباً، فكانت كل الأحزاب معه، ولا كان لديه كتلة نيابية، فكانت كل الكتل النيابية في خدمته وخدمة الوطن في آنٍ معاً، لأن مصلحتهما كانت واحدة؛ رئيس يحكم بعدالة، قادر على إمساك العصا من وسطها متمسِّكاً بالدستور وبتطبيق القوانين، يقدّر ويحمي تراكم الإنجازات الوطنية، ويحافظ على مؤسسات الدولة، ويصون سلمها الأهلي؛ عندما يستحيل التوافق، كما هو مستحيل الآن مع الأسف؛ لا أن ينحاز إلى فريق ضد آخر، لا يقف حائراً عندما يكون الخيار بين الإقتصاد الوطني والإقتصاد البديل، ولا يقف على حياد عندما يكون الخطر الذي يهدد مصير البلاد داهماً، وبحجم الأخطار التي تواجهنا هذه الأيام قاطبةً.

بتًّ على قناعة تامة أنّ عيد الإستقلال ليس في 22 تشرين الثاني، إنما هو يوم يستطيع رئيس الحكومة أن يعقد مجلس الوزراء ساعة يشاء، وأن يضع جدول الأعمال الذي يراه مناسباً لإخراج البلاد من مآزقها المتتالية، الإقتصادية والصحية والمالية بلا تعطيل وعرقلة أيضاً، وأن يتمكن من العمل لتأمين مصالح كل الناس؛ الفقراء منهم والأغنياء ومتوسطي الحال، بلا روادع؛ وأينما كانوا في بيروت أم في ضواحيها، أم في باقي المحافظات، في مدنها الكبرى أم في الصغرى أم في البلدات وقرى الأرياف كافةً. رئيس حكومة يستطيع أن يقيل وزير، إذا ارتأى أن هذا الوزير أم ذاك، غير منسجم مع ذاته، وقناعاته لا تتفق، بل تناقض الدور المناط بالحكومة؛ لا أن نخرج من "الثلث المعطّل إلى الوزير المعطّل" كما قالها وليد جنبلاط.

بتًّ على قناعة تامة أنّ عيد الإستقلال ليس في 22 تشرين الثاني، إنما هو يوم يكون هناك دولة لديها إقتصاد وطني واحد، ولا إمكانية لأن يمر أيُّ إقتصاد بديل، وأن تكون القناعة راسخة بأن الدولة واحدة، ولا شريكة لها تملك القوة وتشاركها في قراراتها السيادية، ولا من بديل يستطيع أن يصادر دورها، ويأخذ مكانها مهما علا شأنه، وسيبقى هذا البديل عاجزاً، لا بد أن يبقى عاجزاً، بل وعلينا أن نتحد كلبنانيين ونفعل أي شيء كي يبقى عاجزاً، وتبقى الدولة بل تعود، تعود إلى أصالتها وتنوُّرها، تعود بمؤسساتها وتبقى على تنوُّعها، وأن يكون لهذه الدولة استراتيجيتها الدفاعية التي تصون حدودها، وشعبها، ودستورها؛ ولعله الأهم، بل هو الأهم على الإطلاق. ولا يكون في هذه الدولة إلا الجيش اللبناني، ولا يكون في الشارع إلا سلاحه، ومحاسبة المرتكبين لأي جهة انتمو؛ بلا استئذان ولا مراعاة للخواطر، فمعيبٌ أن يبقى الصيف والشتاء على أرض واحدة، والعيب الأكبر أن ينطبق على المحاسبة مبدأ الـ ستة وستة مكرر، وعندها لا يدخل المرتكبون إلى السجون قبل أن يدخلها الأبرياء معهم، أو ربما يدخلها الأبرياء فقط، وتتم محاسبة المعتدى عليهم. وهي فرصة لدعوة القضاء لتنظيف نفسه - فلا يبقى المرتكبون الحقيقيون يسرحون ويمرحون، ويزيدون الأزمات علّة؛ في حين أن الطين لا تنقصه بلة.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".