لبنان يرقص على ايقاع المفاوضات... ومصير الاستحقاقات الاقليمية المقبلة

18 تشرين الثاني 2021 11:26:19

ترتبط أزمات لبنان المتشابكة والمتلاحقة بملفات وأزمات الصراعات الإقليمية المتعددة في المنطقة، لا سيّما المشروع التوسّعي لإيران، والذي انطلق بعد الثورة الإسلامية بقيادة الخميني أواسط سبعينيات القرن الماضي، والتي رفعت شعار تصدير الثورة الإسلامية، وإحياء النهج الحسيني لاستنهاض العصبيّة المذهبية لدى الشيعة في العالم العربي وشرق آسيا. لا بل فإنّ لبنان، ومنذ انطلاق المفاوضات السرية بين طهران وواشنطن حول ملفها النووي في سلطنة عمان نهاية العام 2005، حيث بات يرقص على إيقاع  تلك المفاوضات ومتطلباتها التكتيكية من صخبٍ وتوتر في بعض الأحيان، ومساومة ومهادنة في أحيانٍ أخرى. وإذا كانت حرب تموز 2006، والتي رأت فيها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، كوندوليزا رايس، أنّها "بداية التحول نحو الشرق الأوسط الجديد"، فإنّ تداعياتها العسكرية والسياسية شكّلت نقطة الانعطاف الأولى لمسار الأزمة السياسية الداخلية التي حلّت على لبنان بعد انفجار 14 شباط 2005، والذي أودى بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومرافقيه، وما تلاه من انفجارات وجرائم طاولت قادة ثورة الأرز. وأولى هذه التداعيات تحويل فائض القوة العسكري لحزب الله نحو الاستثمار السياسي في النظام اللبناني، فكان أن أطلق شعار المشاركة الفاعلة في الحكومة والذي تجسّد لاحقاً بشعار (الثلث الضامن/ المعطّل) الذي عطل الحياة السياسية ومعها البلاد وما تلاها من تعطيل لعمل الحكومة، وللمجلس النيابي، تحت عناوين مختلفة منذ اتفاق الدوحة في أيار 2008 بعد غزوة بيروت. وما زال هذا التعطيل مستمراً على الرغم من النكبات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي أحدثها في صلب النسيج اللبناني والتي كان آخرها أحداث الطيونة في تشرين الأول 2021، والتي أدخلت البلاد في نفق جديد، وانعطافةٍ أكثر خطورة من سابقاتها.
 
ليس لبنان وحده رهن المفاوضات النووية الإيرانية، لا بل فإنّ اليمن السعيد بحربه المشتعلة منذ عام 2015، هو رهن السياسات الإيرانية وصندوق بريدها المتفجّر. كما أن العراق الذي يحاول جاهداً منذ ثورة تشرين 2019 التفلّت من الهيمنة الإيرانية، يشكّل النقطة المركزية للسياسة التوسعية الإيرانية حيث نجح قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني في نسج تفاهمات سرية مع القيادة الأميركية بعد عام 2006، وأطاح بنتائج الانتخابات النيابية الأولى التي فاز فيها أياد علاوي، ليتم تسليم زمام الأمور إلى نوري المالكي، حليف ايران الأول، الذي شرّع إنشاء وتمويل الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران والمتكتّلة في إطار "الحشد الشعبي". 

وعلى الرغم من أنّ  نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة شكّلت صفعةً قوية لحلفاء طهران في بلاد الرافدين، فإنّ رفض قادة الحشد الشعبي الاعتراف بنتائج تلك الانتخابات، وإطلاقهم الاعتصام الشعبي على مداخل المنطقة الخضراء، وتعطيل الحياة السياسية، يشبه الاعتصام المفتوح الذي أقامه حزب الله وحلفاؤه في ساحة رياض الصلح وسط بيروت بعد حرب تموز، والذي انتهى في اتفاق الدوحة آنف الذكر والذي كان بمثابة إسفين في نعش اتفاق الطائف. كما أنّ طهران أحكمت السيطرة العسكرية على أجزاء كبيرة من سوريا، وأجهضت بدعمٍ روسي مفاعيل الثورة الشعبية فيها بالقوة العسكرية، مستخدمةً أذرعها المسلحة من حزب الله، إلى الميليشيات العراقية والأفغانية، وهي اليوم مشتّتة الأوصال وتخضع لوصايات مختلفة، وحلولها رهن المفاوضات النووية مع مجموعة دول (5+1) المتوقّع أن تعاود استكمال جلساتها في 29 تشرين الثاني الجاري.
 
لقد شرع الدستور اللبناني الذي أقرّ في مدينة الطائف السعودية عام 1991، عمل المقاومة المسلحة حتى تحرير الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل. وكان حزب الله متصدراً واجهة العمل المقاوم بعد أن فرضت الوصاية السورية على باقي الفصائل المسلّحة العمل تحت عباءته والتنسيق معه. وعلى الرغم من عدم إعلان حزب الله موقفاً واضحاً من اتفاق الطائف لناحية الموافقة عليه، أو المعارضة له، فقد انخرط في العمل السياسي اللبناني تحت مظلة المجلس النيابي ملتزماً معارضة دائمة لسياسات الرئيس رفيق الحريري الاقتصادية. وبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، خرجت إلى العلن أزمة مزارع شبعا وابتدعت الخرائط المختلفة لتبرير بقاء السلاح بيد حزب الله، ما شرّع أبواب الانقسام الداخلي حول الحزب وسلاحه ودوره، لا سيّما بعد أن تبنّى حزب الله توجيهات القيادة السورية تمديد ولاية الرئيس إميل لحود، ضارباً بعرض الحائط التهديدات الدولية التي ترافقت مع إصدار القرار 1559، والذي طالب بتسليم سلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية، وبخروج الجيش السوري من لبنان، وتطبيق اتفاق الطائف. 
     
سياسة التعطيل التي انتهجها حزب الله لفرض شروطه على اللبنانيين وداخل النظام السياسي، مرتكزاً على فائض قوته العسكرية من جهة، ومستفيداً من تحالفه الذي عقده مع التيار الوطني الحر في شباط 2006 من جهة أخرى، لم تمكّن الحزب من الاعتراض على "إعلان بعبدا" حول الاستراتيجية الدفاعية التي تقدّم بها الرئيس السابق للجمهورية، ميشال سليمان، قبل أن تتيح ظروف الحرب السورية الانقلاب على الإعلان والتحلّل منه، حيث قال النائب محمد رعد في أحد تصريحاته "بلّوا واشربوا ميّته"، عشية إعلان حزب الله الانخراط في الحرب السورية تحت شعار "حماية خاصرة المقاومة"، فيما كان مرشد الجمهورية الإيرانية يقول إنّ إيران وحلفاءها يقاتلون في سوريا دفاعاً عن طهران، ما وضع سلاح حزب الله مرة جديدة في دائرة الاستخدام الإقليمي، وخارج شرعية اتفاق الطائف، ومقررات طاولة الحوار الوطني.
 
ما تقدّم، وغيره الكثير من الأمثلة، يؤكد أنّ حزب الله ملتزم تنفيذ السياسات الإيرانية المطلوبة منه في الساحة اللبنانية وفي أي ساحة أخرى خاصة تلك المتعلقة بقضايا لبنان وارتباطاته الدولية مع أميركا وأوروبا وبقضاياه العربية والإقليمية، لا سيّما مع دول الخليج العربي وسوريا. وعلى الرغم من أنّ هامش المناورة لدى الحزب غير مؤثّر في الملفات الدولية، إلّا أنّ مراكمة تلك السياسات العدائية أوصلت لبنان إلى عزلة عربية ودولية محكمة. كما أنّ سياسة التعطيل التي انتهجها في الداخل اللبناني في المجلس النيابي والرئاسة، وفي تشكيل الحكومة، وفي علاقته مع المكوّنات اللبنانية الأخرى، تنطلق من قاعدة رفضه العميق لاتفاق الطائف، خصوصاً مبدأ المناصفة في السلطة بين المسيحيين والمسلمين. تلك القاعدة توجّه احتياجاته الفعلية وسلوكه العملي، وليس ما يوافق عليه في البرلمان، أو طاولة الحوار، أو أي محفل رسمي لبناني آخر. على هذا الأساس يمكن تفسير علاقته بالمؤسّسات العسكرية والأمنية الرسمية، وكذلك علاقته بهياكل الدولة اللبنانية ومرجعياتها الأساسية من الدستور والميثاق، وكذلك من الهياكل المؤسّساتية من وزارات أو مؤسّسات تفتيش، أو "سلطة القضاء" بما هي السلطة الثالثة، فضلاً عن موقفه من سلطة الإعلام ودور الإعلاميين.
 
وخلال جلسات الحوار الوطني التي عقدت في "سان كلو" الفرنسية جرى الحديث عن تعديل الدستور اللبناني كمخرج لحل الأزمة اللبنانية ومنطلق أساسي لاستيعاب حزب الله في السلطة السياسية والمؤسّسات الأمنية ومن الموقع الدستوري. وجرى الحديث عن المثالثة للمرة الأولى، وقيل إنّ هذه الأفكار جرى التداول بها بين المسؤولين الفرنسيين والإيرانيين، وبات الحديث عن مؤتمر تأسيسي لإعادة تكوين السلطة، مدخلاً لضرب اتفاق الطائف وإسقاط مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وفي هذا المجال يمكن رصد الملاحظات التالية:
 

إنّ سياسة التعطيل التي أوصلت حزب الله للهيمنة الكاملة على الدولة ومؤسّساتها، لا تلبي احتياجات الحزب الفعلية، بحيث أنّ القوانين السائدة وآليات عمل الدولة اللبنانية وفق تصميمها الراهن والتاريخي لا تمكّن الحزب في فرض سياساته عليها دون استخدام فائض القوة المتوفر حالياً لديه، والذي مكّنه من فرض الفراغ والتعطيل في الرئاسة، والحكومة، والبرلمان والآن "القضاء".

إنّ تصاعد حاجة الحزب للحماية الداخلية والإقليمية والدولية، تفرض عليه تنفيذ سياساته بالقوة، وأحياناً بالقوة المفرطة والاغتيالات. فالهيمنة على مؤسّسات الدولة دون السيطرة الدستورية عليها لا توفّر له احتياجاته للحماية في ظل سياسة العقوبات الدولية، والعداء لمحيطه العربي والتحدي المتواصل لإسرائيل تلبية لمتطلبات السياسة الإيرانية.

إنّ أيديولوجية الحزب الشمولية لا تمكّنه من تحمّل نموذج ثنائي في بيئته الداخلية "متشدّد" و"إصلاحي" كما هو الحال في إيران، فكيف له أن يتحمّل نقائض أيديولوجية وسياسية وثقافية يتغنى بها التنوع اللبناني؟

لذلك يرى العديد من خبراء علم السياسة أنّ المأزق الحالي الذي وصل إليه لبنان في أزماته المفتوحة على الاحتمالات كافة، لا سيّما أزمته الأخيرة مع دول الخليج العربي، والتي يدفع الحزب نحو تأجيجها، تلبي مطلبه في إسقاط اتفاق الطائف، والمظلّة العربية وعباءة المملكة العربية السعودية، والدفع نحو المؤتمر التأسيسي، كما أنّ قرار ربط تفعيل الحكومة بإقالة القاضي طارق البيطار، يقضي على ما تبقى من أمل في استقلالية القضاء، وفي قيام نظام سياسي بعيد عن الهيمنة الأمنية، وهذا ما يجعل حزب الله مشدوداً إلى تغيير جوهري في الصيغة اللبنانية، والانتقال من سياسة الهيمنة إلى السيطرة المطلقة على مقدرات لبنان ومؤسّسات دولته، وفرض ما يريده من خلال الدعوة لمؤتمر تأسيسي.