عن الوضع العربي الراهن

13 تشرين الثاني 2021 09:57:25 - آخر تحديث: 13 تشرين الثاني 2021 10:24:29

صورة المشهد العربي اليوم لا تشبه ما سبقها، على الرغم من أن صعوبات كبيرة عاشها العرب بدولهم المختلفة، من مواجهة الغزوات الخارجية إلى الوصايات المتعددة إلى الاستعمار. والمشهد اليوم يختلف عن السابق، لأن تحديات العصر فرضت نمطية جديدة من التعاطي بين الدول وبين الجماعات وبين الأفراد، كما أن مفاهيم الحريات العامة وحقوق الإنسان الجديدة، فعلت فعلها في الاتجاهات المختلفة، منها في الاتجاه الإيجابي ومنها في الاتجاه السلبي. لكن مهما يكن الأمر؛ فالواضح أن فوضى مُكربة تسللت إلى مساحات الاستقرار، كما طالت الشوائب زوايا جديدة كانت حتى الأمس القريب ثوابت محيّدة عن ضوضاء الاضطراب، وتجاوز بعض جيران العرب كل الحدود في استباحة متهورة لخصائص تعتبر من المحرمات المصانة، لأن قواعد العلوم السياسية تعترف بخصوصيات للدول، كما هو عليه الحال مع الشؤون الخاصة للإنسان.

العلاقات البينية العربية ليست على أحسن حال، بصرف النظر عن المسؤول أكثر من غيره عن هذا الإخفاق، ولا توجد مبررات موضوعية تمنع تحسين هذه العلاقات، وعلى المستويات المختلفة، لأن الواقع لا يرسم أية خارطة لمحاور وتحالفات عربية تواجه بعضها البعض، كما كان حاصل في الحقب الماضية، بما في ذلك إبان الحقبة الناصرية التي لقيت تأييداً، كما لقيت معارضة. والواقع العربي الراهن لا يعطي مبررات لبعض الانحلال القائم، كما أن التباينات العربية - العربية في حالة من الضعف، إذا لم نقل إنها غير موجودة، والعناوين الخلافية بين الدول العربية تكاد لا تذكر قياساً بما كان يحصل في الماضي؛ لا على مستوى التموضع الجهوي، ولا على مستوى الخلاف حول التحالفات الخارجية، خصوصاً مع الدول الكبرى؛ حيث اندثر الانقسام الذي كان يتمحور حول قطبية المعسكرات الشرقي والغربي السابقين.

هناك ما يشبه الاستباحة تعتمدها دول جارة للعرب، كنا اعتقدنا بأنها ستكون عاضداً لهم في قضاياهم المحقة، وأهمها قضية فلسطين، فإذ بهم يستغلون العاطفة الإسلامية لدى العرب عامة لتركيب مقاربات مدمرة، ألحقت أذى بدول عربية عديدة، لم يسبب مثله الأعداء. وهؤلاء تجاوزوا كل الحدود عندما عملوا على قاعدة احتساب الحيوية العربية في بعض الدول من ضمن مساحة تأثيرهم، وخاضعة لإرادتهم، ويفاوضون عليها، أو باسمها، مع خصومهم على الساحة الدولية، وقد جعلوا من بعض الأقطار العربية الرئيسية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ رهائن للمقايضة.

والأدهى من كل ذلك، فقد استغل بعض جيران العرب الاضطرابات التي حصلت على خلفيات اجتماعية وحقوقية ومطلبية لصناعة حروب داخلية في بعض الدول العربية، أهلكت شعوبها، ودمرت اقتصادها، وشرذمت تماسكها الداخلي، ما هدد الوحدة الوطنية داخل هذه الدول العربية المعنية وأضعف الأمن القومي العربي إلى الحدود الدنيا.

ولا يمكن إغفال حالة التسلل العقائدي التي قام بها بعضهم إلى داخل حضن التنوع الذي يغني التراث العربي، وتحويل هذا التنوع إلى تنافر يهدد مستقبل الفكرة العربية برمتها. ورؤية بعض المجموعات التي تمارس مشاغبة صلفة في ساحات أساسية “تسرح وتمرح” في بعض الدول، مستغلة التعددية والحريات العامة؛ لتؤسس حالات تمردية متفلتة من الحضن العربي، ولا تراعي الحد الأدنى من الثوابت بما في ذلك استخدام تسميات غير صحيحة لبعض المواقع الجغرافية بما يتنافى مع واقع هذه المواقع العربية، وتنسجم لغتهم مع لغة وتسميات يستخدمها بعض من حاولوا اغتصاب الحقوق فيما مضى من حقب التاريخ.

وحالة تراخي التماسك العربي غير المبرر؛ سمحت أيضاً وأيضاً لبعض أصحاب النوايا الخبيثة لترويج أفكار غريبة عن الثوابت من العادات العربية، لاسيما التفرقة داخل أبناء الأمة الواحدة، وبين معتنقي الدين الحنيف الواحد، وعملوا للترويج لأحلام تبناها الاستعمار طويلاً في السابق وفشل ولم ينجح في تحقيقها.

الجامعة العربية مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى النهوض في وجه الظواهر التفككية، وفي وضع محددات ثابتة أمام الاستباحات الخارجية، لاسيما استباحات ذوي القربى الذين تجاوزوا حدودهم في إنتاج الظواهر الانحلالية المريضة في الجسم العربي.

أما العلاقات العربية - العربية بين المشرق والمغرب، وبين الهلال الخصيب العربي والخليج العربي، وبين الجزيرة العربية ووادي النيل؛ فهي أكبر وأرقى من أن يؤثر فيها بعض الطارئين من المصطادين في المياه العكِرة وأعوانهم.