متى نلتقي نرتقي

د. سامي أبي المنى |

صحيحٌ أنَّ الحرب التي اندلعت نيرانُها المشؤومة في مثل هذا اليومَ  من العام 1975 كانت مؤلمةً وخبيثة، لكنَّ التمادي في إذكائها وتكرارها يظلُّ أشدَّ ألماً وخُبثاً...
حينها استُدرجَ آباؤُنا وشبابُنا إلى الصدام، وتمتَّع الغرباءُ بالرقص على أحلامِنا ودماءِ شهدائنا... وغابت عن بالِ الناس، معظمِ الناس، صورةُ العيش الواحدِ المشترَك، وقصصُ المودَّة الجميلة التي زيَّنت لبنانَ عبرَ عشراتِ، بل مئاتِ السنين... 
لكنَّنا اليومَ تعلَّمنا ونتعلَّم الدرسَ كي لا ننسى... ونتعاهدُ على الخيرِ سَويَّا... ونعاهدُ الوطنَ أن نعيشَ فيه أُخوةً، وأن نقولَ لا وألفَ لا لمن لم يرتدِعْ... ولمن قلبُه للحبِّ لا يتَّسِع... 
صحيحٌ أنَّ الاتفَّاق والمصالحة كانا العلاجَ الناجعَ والبلسمَ الشافي، ولكنَّ الوقوف عند العناوين لا يكفي، فالمصالحةُ إيمانٌ يترسَّخُ بالممارسة، وفعلُ محبةٍ يتكرَّسُ كلَّ يوم، وعملٌ تربويٌّ وثقافيٌّ واجتماعيٌّ وسياسيٌّ وروحيٌّ نُطوِّرُه باستمرار، وعيشٌ واحدٌ مشترَك نُجدِّدُه في قرانا وبلداتنا، لا بالندمِ والاستغفار فحسب، بل بالتشارك والتكاتف الوطني من أجل مستقبل أبنائنا ومجتمعِنا ووطنِنا الذي نُحبّ... 
وصحيحٌ أنَّ الحربَ لم تكن صنيعتَنا، ولسنا أباها ولا أُمَّها، ولا مِطرانَها ولا شيخَها، ولكنَّنا نعترفُ بأنَّنا جميعُنا تورّطنا في يوميَّاتها البغيضة، واستنفرنا على جبهاتِها المُميتة، وغرقنا في وحولِها المُهلِكة، وقاتلنا بعضَنا بعضاً، بدوافعَ مختلفة، رسموها لنا، أوهمونا بحتميَّتِها، فقُتل من أهلِنا وشبابِنا مَن قُتلَ واستُشهِدَ مَن استُشهِد، وكلٌّ لأجل الدفاع عن قضيَّةٍ آمن بها أو وجودٍ عزَّ عليه، وتدمَرتِ البيوتُ والمؤسساتُ وهُجِّرَ الأبرياءُ قَسراً وعانى المُقيمون من فُقدان نعمة التنوُّعِ والتكامل والتقدُّم، إلى أن كانت المصالَحةُ ففُتحت أبوابُ العودة، ولكنها لم تزلْ غيرَ مكتملة، بسبب تغيير مكان الإقامة والسكن لمعظم الناس، وبسبب الهجرة إلى المدينة وإلى الخارج بحثاً عن مجالات العلم والعمل، ولكون قرى الجبل والأطراف ما زالت بحاجة إلى المزيد من الإنماء والتطوير. 
ولكن، ومن المؤكَّد أنّه إذا لم تكن الحربُ من صُنعِنا، فإنَّ السلامَ والمصالحة هما مسؤوليتُنا حتماً، وإذا كان ما أضعناه أيام الحربِ العبثية كان ثميناً، فإنَّ ما نكتشفُه معاً أثمنُ بكثيرٍ، وقد اكتشفنا أنَّ نتيجة الحرب خاسرةٌ للجميع، وأنَّنا أُخوةٌ في الإيمان والوطنية والإنسانية، وأنّنا مُتساوون في الحقوق والواجبات والكرامة، وقد ثبت لدينا بالوجه الروحي والوطني والإنساني أنَّ الحوار سبيلٌ للبناء، وأنّنا متى نلتقي نرتقي، ومتى نتصافح نتصارح فنتصالح... وأنْ لا أحداً يخافُ من أحد، وما الخوفُ إلَّا أضغاث أوهامٍ مُصطَنعة وهواجسَ مُركَّبة... 
وها نحن هنا اليومَ نقفُ معاً، ويداً بيد، نُعلي صوتَ المحبة والأُخوَّة على ما عداه، ونُضيء شُعلةَ الفرح في قصر بيتِ الدين، لعلَّ السياسيين يسمعون، والحاقدين يتوبون ويستغفرون، ولعلَّنا جميعاً نلتفُّ حول فرح العطاء لمزيدٍ من الفرح ومزيدٍ من العطاء ومزيدٍ من السلام.
 
*أمين عام مؤسسة العرفان التوحيدية

القيت في احتفالية ذكرى الحرب اللبنانية في 13 نيسان، والتي أحيتها جمعية فرح العطاء في باحة قصر بيت الدين.