لبنان الموعود بالصيف

عزت صافي |

من عادات اللبنانيين في مدن السواحل والجبال أن يتهيأوا في مطلع الربيع لاستقبال المصطافين العرب، وقوافل السياح الوافدين من جميع أقطار الغرب والشرق، ومعهم تطل مواكب المغتربين الآتين بأشواقهم إلى البلاد التي ترفد العالم بالنخب من أهل العلم، والخبرة، والثقافة، والمدنية.

بيروت كانت تزدان بمهرجانات الافراح والفنون، وتلمع في أضوائها أسماء ووجوه كبار ومشاهير في المناصب، والمسؤوليات، على أعلى المراتب والأدوار فيتحوّل لبنان، وطناً وشعباً، ملتقى وأهلاً، ومضيفاً بعناوين لطالما قرئت، وكتبت: بيروت – صيدا – طرابلس – صور جبيل – بعلبك – أرز الرب – أرز الباروك.

... فإذا تطوّع أحد الهواة للقيام برحلة إلى تلك المعالم، والآثار، والشواطئ، والسهول، والجبال، ثم عاد ليكتب عنها مقالاً أو تحقيقاً، أو رسالة، فماذا يكتب عنها غير ما في التاريخ، والجغرافيا؟... لكن أين "العالم" الذي كان يحج إلى تلك الربوع التي تركد في الذاكرة؟

...وهنا، في هذا الموضوع بالذات، تطل من الذاكرة جملة قالها لي المغفور له رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في مقابلة معه، وقد كتبها مرة، وتبقى صالحة ومفيدة للإعادة والتذكير. قال رحمه الله: "من يكتب على باب داره: "للإيجار" يلاقي من يستأجر... وأنتم اللبنانيين كتبتم على باب داركم "للإيجار"... فتوافد عليكم المستأجرون من كل حدب وصوب، ومنهم من صار من أهل البيت، ومنكم من صار مستأجرا"!

حدث ذلك في زمن مضى في التاريخ، ومستمر، فلبنان من دون سياحة، ومن دون إصطياف، منذ نحو 45 سنة، أي منذ ذلك اليوم المشؤوم (13 نيسان 1975) الذي مرّت ذكراه في الأمس، وما تلاه من كوارث وطنية، وجرائم إنسانية، وأخلاقية، وقد نشأت خلال تلك العقود أجيال لبنانية، هي، في هذا الزمن، رافضة بالمطلق كل الأسباب، والأعذار، والفذلكات التي تنتجها، وتسوّقها، مراجع ودوائر من خارج عالم تلك الأجيال.

يخطئ من يظن أن الاجيال اللبنانية مهتمة في هذه المرحلة بالقضايا السياسية. فالاهتمام، أو الهم، مركز على الحاضر، على قسط المدرسة، وعلى فرصة العمل، وعلى حلم بالغربة حيث الامل بمستقبل فيه ضمانات وحقوق، وفرص للعيش بكرامة وطمأنينة.

ويشهد اللبنانيون لنوابهم بوفرة القوانين التي يقرونها، وفي الوقت نفسه يسجلون على الحكومة ضآلة الإنجازات التي يفترض ان تظهر نتائج تلك القوانين.

وقديماً قيل في لبنان، وقيل عنه في البلاد العربية، ان كل عهد جديد فيه يبدأ لبنانياً وطنياً، وعربياً وينتهي طائفياً ومذهبياً.

وقد بدأت علامات هذا التوجه في خطب، وندوات، وأنشطة، وجولات في زيارات رسمية إلى دولة في القارتين الأميركية والأوروبية، واستراليا أيضاً، حيث نشأت أجيال المغتربين على مبادئ الحرية والديموقراطية والقوانين العلمانية...

وصيّف يا صيف عا جبهة حبيبي!