أبعد من سقطة وزير... هل تلاشت المونة على "حزب الله" أم لا قرار بإغضابه؟

05 تشرين الثاني 2021 07:53:05

كان يمكن لبنان استثمار السقطة التي ارتكبها وزير الإعلام جورج قرداحي لبلورة تفاهم مع مجموعة الدول التي أساء إليها. وهذه الدول المُمتعضة من واقع الحالة اللبنانية قادرة على انتشال لبنان من كبوته الموجعة. وبين سطور المواقف الخليجية المُتشدّدة في الرد على تصريحات جورج قرداحي، رسالة إلى الحكومة اللبنانية للعمل على تصحيح الأوضاع الشاذّة القائمة بين لبنان الرسمي ودول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية.

 

وكان ثمن فتح الكوة في جدار انسداد العلاقة مقبولاً إلى حدٍ ما، قياساً بالفائدة الجمّة منها، ويمكن أن يقتصر الثمن على التضحية بوزير أثار وجوده في الحكومة الميقاتية جدالاً واسعاً، قبل أن تُنشر تصريحاته المشينة حول اليمن، لأن العديد من المتابعين اعتبروا توزيره بمثابة الوديعة غير المعلنة لدول الممانعة في حكومة المستقلّين، لأنه لم يكن معروفاً بانتمائه الحزبي قبل هذا التوزير.

 

ودول مجلس التعاون، التي يفاوض بعضها النظام السوري وإيران، لم تكن بوارد غلق الأبواب أمام حكومة الرئيس ميقاتي، إذا ما أقدمت هذه الأخيرة على حفظ كرامة هذه الدول، والتزام التعهّدات التي قطعتها الحكومات السابقة ولم ينفّذ منها شيء، خصوصاً محاسبة الذين واظبوا على تهريب المخدّرات إلى السعودية، ومنع الإساءة إلى دول الخليج انطلاقاً من لبنان، وإعلان نيات سياسية واضحة تؤكّد حرص السلطات اللبنانية على أمن الخليج العربي، ومنع كلّ أشكال استهدافه. وقرار صريح وجريء للمراجع الرئاسية اللبنانية يمكنه تقديم هذه الضمانات وتنفيذ مندرجاتها بقوّة الإرادة الوطنية، أو بتفاهم صريح مع "حزب الله" ينطلق من قاعدة الواجب الوطني الذي يفرض حماية مصالح اللبنانيين، وأغلبيّة هؤلاء متعاطفون مع الدول الخليجية ويستفيدون منها، ويساعد المراجع الرئاسية إذا ما قررت الطلب إلى "حزب الله" تعديل موقفه أو إغضابه بإجراءات لا يستسيغها. تهافت أصدقاء الحزب في سوريا وغيرها لإعادة علاقاتهم مع مجموعة الدول العربية الخليجية، لكونها ذات تأثير سياسي واقتصادي ومعنويّ وازن، ومن البديهي أن يكون لبنان على علاقة ممتازة بهذه الدول.

 

من واجبات الدولة أن تحفظ أمن مواطنيها، وتحمي مصالحهم، وتسهر على تطبيق القوانين المرعيّة بالتساوي بين الجميع. من هذه الزاوية، يمكن مقاربة أهميّة صيانة العلاقة التي تربط لبنان بدول الخليج العربي، التي يعتمد عليها أكثر من ثلث اقتصاد البلاد من خلال العائدات الاستثماريّة، ومن قيمة الأعمال التي يجنيها ما يقرب من 400 ألف لبناني يقيمون في هذه الدول، إضافة إلى أهمية الأسواق الخليجيّة، حيث تبلغ الصادرات السنوية اللبنانية إليها أكثر من 1,2 مليار دولار، ومجموع الاستفادة اللبنانية من دول الخليج خلال السنوات العشر الماضية تزيد عن 70 مليار دولار.

 

ومن نافل القول إن ارتباط لبنان بدول الخليج العربي لا يقتصر على تبادل المصالح فقط، بل هناك روابط أخويّة وعشائريّة وانتماء قوميّ عربيّ واحد، وهذه الدول كانت على الدوام سنداً للبنان إبان الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة عليه وفي أزماته الداخلية المتلاحقة، لا سيما من خلال الدور البارز الذي يؤدّيه مجلس التعاون الخليجي داخل جامعة الدول العربية وفي المنتديات الدولية.

 

سقطة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي في تحليلاته الواهية حول حوادث اليمن، لم تكُن هي السبب الوحيد لوصول منسوب التأزم بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي إلى هذه الحدود غير المسبوقة، بل قد تكون النقطة التي أفاضت الكأس، لأنّ الكثير من الافتراءات الإعلاميّة صدرت من بيروت قبل ذلك، والحكومة اللبنانية لم تبادر إلى ردع الذين يشاركون في استهداف المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، كما أنها لم تلتزم المعايير التي وضعت لمكافحة تهريب الممنوعات من لبنان أو عبره، خصوصاً المواد المخدّرة، وكانت سلطات المملكة قد طلبت وضع آلات كاشفة متطوّرة على المعابر التي تمر منها الشاحنات إلى الخليج، ولم توضع هذه المعدّات "السكانرز" حتى الآن، ومحاكمة الذين يقفون وراء صفقة "الرمان المُخدّر" إلى مرفأ جدة، والتي ضبطت في نيسان (أبريل) الماضي لم تحصل حتى اليوم، إضافة إلى أن لبنان أصبح ورقة يستخدمها المناوئون لدول الخليج في المفاوضات الثنائية وغير الثنائية التي تحصل في أكثر من مكان.

 

والأنكى من كل ذلك أن معلومات نقلتها أوساط متابعة، أكّدت أن التصريح النافر الذي أدلى به قرداحي قبل شهر من تشكيل الحكومة اللبنانية، كان سبباً رئيسياً في توزيره، ما يؤكّد نيات سياسية خبيثة تستهدف دول الخليج، لا سيما أن قرداحي حصل على شهرته الإعلامية وثروته الشخصية من عمله في وسائل إعلام خليجية. ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، الذي تبنّى دعم قرداحي، اعترف بأن الأخير لم يكُن من عداد الأعضاء المنتسبين إلى تياره، في إشارة واضحة إلى وقوف أطراف أُخرى وراء طلب توزيره.

 

قرداحي ومن يدعمه يتعرّضون لحصار سياسي وشعبي لبناني واسع، لكن موازين القوى الداخلية، لا سيما داخل المجموعة المشاركة في الحكم، ليست لمصلحة القوى التي تتفانى في إرضاء دول الخليج، وفريق الممانعة يتحدث بلا مسؤولية عن الكرامة الوطنية وعن رفض الإملاءات، بينما هم يأتمرون بتعليمات قوى خارجية، ويتلقّون التمويل المُرتهن منها، وقد حصلت قوى الممانعة على جرعة دعم غير مباشرة بواسطة طريقة التعاطي الأميركي مع الملف الخلافي، لأن الدبلوماسية الأميركية تعتبر أنه لا داعي لتفجير أزمة حكومية حالياً، والانتخابات المقبلة كفيلة بصناعة التغيير. لكنه قد يكون غاب عن بال هذه الدبلوماسية أن صلافة التعاطي الأمني والتدخل المالي لقوى الممانعة يضعان احتمال فشل الفريق الذي يراهن عليه الأميركيون وغيرهم في تحقيق فوز في الانتخابات، يزيد عن احتمال نجاحه.