دستور سوريا بين تلال الركام وردهات الفنادق

28 تشرين الأول 2021 08:05:18

فشلت الجولة السادسة من مباحثات جنيف حول صياغة دستور جديد لسوريا، في تقريب المسافة بين أفرقاء النزاع. ويبدو أن "قرار" الإخفاق في الوصول الى حلول وسطية مأخوذ مسبقاً، وقبل بدء جلسات الأيام الأربعة في الانعقاد. ذلك أن المواضيع التي أثارها الوفد الذي يمثّل النظام كانت بعيدة كل البُعد من جوهر المشكلة، بينما وفد المعارضة والمجتمع المدني ما زال ينطلق من كونه يمثل الشعب السوري، وهو ترفٌ بعيدٌ من الواقع ويخفي خيالاتٍ سياسية قد يكون مرَّ عليها الزمن.

 

بعد انقطاع طويل، انعقد اجتماع لجنة صياغة الدستور السوري الجديد التي تشكلت مناصفة بين ممثلي النظام وممثلي المعارضة والمجتمع المدني قبل عامين، وفقاً لما ينص عليه قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2254/2015، بعد ما كان المندوب الأممي غير بيدرسون جال على عواصم العالم الكبرى المؤثرة على الساحة السورية، وأخذ وعداً قاطعاً من هذه العواصم بالمساعدة على عقد الاجتماع، وبمساندة مساعيه الوفاقية، خصوصاً من واشنطن وموسكو وأنقرة ومن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التي يمثلها. وبيدرسون يتحمل جزءاً من المسؤولية عن فشل الاجتماع في الوقت نفسه، لأنه غيَّر في تسمية لجنة صياغة الدستور، وأطلق عليها لجنة الإصلاح الدستوري، وقد أثار موقفه وفد المعارضة، لأنه أوحى بأن المباحثات ستتركز على إجراء بعض التعديلات على الدستور القائم، وليس صياغة دستور جديد كما جرى الاتفاق سابقاً.

 

ومن نافل القول أن الدور الروسي كان أكثر تأثيراً في سياق التهيئة لاجتماع جنيف في 18/10/2021، ولولاه لما كان في الإمكان تنظيم اللقاء، لأن المعطيات المتوافرة أكدت أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طلب شخصياً من الرئيس السوري بشار الأسد في لقائهما الأخير منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي في موسكو إرسال الوفد الذي يمثله الى مباحثات جنيف لإعادة إطلاق المفاوضات حول الدستور، بصرف النظر عن الموقف الذي سيعلنه الوفد، ما أوحى بالتزام بوتين أمام القوى الدولية وأمام الجامعة العربية بتنفيذ هذا الطلب، حتى ولو لم يحصل اتفاق في الاجتماع (كما حدث فعلاً). وهذه المقاربة ترضي بعض الأطراف التي تفتش عن حِجة معقولة لإعادة علاقتها مع الحكومة السورية، ولكن هذه الطريقة فيها مواربة ولا تثمر حلاً للمعضلات القائمة.

 

وبين تلال ركام الدمار الذي لحق بالمدن والقرى السورية ومأساة المهجرين قسراً، وبين ردهات الفنادق الفخمة في جنيف وإسطنبول وآستانا وسوتشي؛ تختلف الصورة بما يزيد على 360 درجة، ويتصرَّف ممثلو النظام بقساوة مُفرطة بعد النجاحات العسكرية التي حققوها بمساعدة روسيا وإيران على الأرض، معتبرين أن الأزمة السورية انتهت ولم يبقَ من مشاكل أمام الدولة سوى وجود قوات أجنبية في منطقة إدلب وفي محافظة الحسكة وفي قاعدة التنف، بينما تعتبر المعارضة ومعها فئات كبيرة من المجتمع المدني، أن الأزمة ما زالت قائمة، والنظام يغتصب السلطة بمساعدة قوى أجنبية، بينما غالبية السوريين لا يعترفون بشرعيته.

 

بعد فشل مباحثات جنيف الأخيرة ازداد الوضع تعقيداً، خصوصاً أن المشاركين من الفريقين لم يتفقوا على موعد لعقد جولة جديدة، ووجود مندوبين عن موسكو وواشنطن وأنقرة والاتحاد الأوروبي في الاجتماع لم يخفف من حدة التشنج التي ظهرت على أعضاء الوفد الذي يمثل الحكومة، والذين اعتبروا أن سوريا تتعرض لعدوان خارجي ولأعمال إرهابية، ولا يوجد أي أزمة داخلية على الإطلاق، وهو بطبيعة الحال ما يرفضه ممثلي المعارضة ومعظم ممثلي القوى الدولية. والجامعة العربية ما زالت ترفض التواصل مع الحكومة السورية قبل إجراء تعديلات على الدستور وتحقيق مصالحة وطنية تشمل المكوّنات الأساسية للشعب السوري.

 

من الواضح أن التفاهمات الدولية التي حصلت مؤخراً حول بعض ملفات المنطقة العربية تزعج طهران. ومن الواضح أيضاً أن إيران تملك أجندة خاصة لا تتقاطع مع غالبية المواقف الدولية المعنية، كما أن الامتعاض الشعبي من سياستها يتفاقم شيئاً فشيئاً في العراق وفي سوريا وفي لبنان، والولايات المتحدة الأميركية اتهمت إيران علناً بالوقوف وراء الهجمات التي استهدفت مناطق في سوريا وفي العراق، وآخرها ضرب قاعدة التنف الأميركية التي تقع على مثلث الحدود العراقية - الأردنية - السورية بواسطة طائرات من دون طيار. وهو ما يعبّر عن إمتعاض طهران من التفاهمات الحاصلة حول سوريا والتي ستؤدي لعودتها إلى الحظيرة العربية في نهاية المطاف، وهو ما يتعارض مع مصالح طهران التي تستفيد من تراجع الدور العربي لفرض هيمنتها على المشرق العربي أو (الهلال العربي الخصيب).

 

سوريا تعيش مأساة كبرى لم يشهد مثلها التاريخ قط. فهناك ما يزيد على 13 مليوناً من أهلها هم نازحون بالقوة القاهرة عن أراضيهم، وتقارير الأمم المتحدة تُشير الى أن نسبة الفقراء فيها تقارب 90 في المئة من عدد السكان، والبلاد تعيش غربة قاسية عن أشقائها وأصدقائها بسبب خياراتها السياسية والأمنية، وبسبب العقوبات التي تطاول نظامها. والخلاص من المأساة التي يعيشها الشعب العربي السوري الجبار، تفرض شيئاً من التنازل من كل الأفرقاء، ولا يمكن أن يكون هذا الخلاص من خلال زيادة ركام الدمار ولا من اجتماعات ردهات الفنادق الفخمة.