الأجور سترتفع حتماً... هل تُدفع بالدولار؟

27 تشرين الأول 2021 07:20:44 - آخر تحديث: 27 تشرين الأول 2021 08:00:52

كما سار ملف سلسلة الرتب والرواتب عام 2016 على وقع الانتخابات النيابية، يسير ملف الاجور اليوم في الاتجاه نفسه، ولو اختلفت الأوضاع بين الامس واليوم ونسبة الزيادة الموعودة. فالهامش بين تحسين القدرة الشرائية للمواطن بالحدّ الأدنى، وإبعاد كأس التضخم وارتفاع معدلات البطالة وتحليق سعر الدولار الى مستويات خيالية، ضيّق جداً، لا سيما انّ هذا الموضوع مطروح اليوم في ظلّ انهيار اقتصادي غير مسبوق وغياب أي خطة اقتصادية.

تجتمع لجنة المؤشر اليوم بتوجّهات إيجابية نتجت من الاجتماع التمهيدي الذي عُقد يوم الاثنين في السرايا برئاسة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ويبدو انّ نتائج اللقاء باتت شبه محسومة، بحيث من المتوقع رفع بدل النقل للقطاعين العام والخاص على السواء من 24 الفاً الى 60 الفاً يومياً، زيادة قيمة المِنح التعليمية في القطاع الخاص وزيادة التعويضات العائلية. وفي ما يتعلق بالاجور، يتقدّم اقتراح إعطاء القطاع الخاص سلف شهرية على الراتب كحلّ مؤقت وسريع، يكسب خلاله القيّمون على القطاع الخاص أمرين: الأول عدم المسّ بقيمة تعويضات نهاية الخدمة في الوقت الراهن، بحجة أن لا قدرة للقطاع الخاص على تحمّل تداعيات هكذا خطوة. والثاني: إرجاء البت بتحديد الحدّ الأدنى للأجور قبل إجراء الانتخابات النيابية والشروع ببرنامج اقتصادي مع صندوق النقد، من اولوياته الحدّ من تدهور الوضع الاقتصادي وتوحيد سعر الصرف وإعادة وضع لبنان على السكة الاقتصادية الصحيحة وجذب الاستثمارات.

 

في السياق، يقول مدير «مؤسسة البحوث والاستشارات» الخبير الاقتصادي كمال حمدان، انّ لجنة المؤشر هي اكبر مزحة اليوم، في ظل غياب أي خطة اقتصادية اجتماعية للتعافي تكون شاملة، صارمة، واعدة، عادلة وفعّالة، تُقنع الناس بوجود أفق، تحثهم على الصبر وتنطوي على تضحيات غير مسبوقة لمدة عام او اثنين. أما عن المَخرج الذي يُسَوّق له اليوم، والقاضي بإعطاء سلفات او مساعدات للقطاع الخاص، يرى حمدان انّ الهدف من هذا التوجّه هو تجنّب انعكاس اي زيادة في الاجور على تعويضات نهاية الخدمة.

 

وقال: «لست ضد إعطاء سلفة، شرط ان تكون من ضمن خطة تتضمّن تضحيات كبيرة وعادلة، تطال رأس المال والأرباح والمصارف والاحتكارات بنسبة اكبر بكثير مما تطال الطبقة الوسطى والعمال».

 

ولفت الى انّ هذه السلفة المطروحة ستُعطى للأجراء النظاميين الذين يشكّلون النصف. ماذا عن الأجراء غير النظاميين، أي العاملين المكتومين غير المصرّح عنهم في الضمان الاجتماعي؟ هؤلاء سيكونون متروكين لأخلاق ربّ العمل، إذ لا شيء سيلزمه بزيادة بدل النقل ولا زيادة أجرهم...

 

وقال حمدان: «زيادة الاجور مطلوبة اليوم إنما ضمن خطة تبدأ باستنهاض النقل العام والاستثمار بالاقتصاد الحقيقي لتوزيع الخسائر، تصفية عدد المصارف من 60 الى 10 او 12 مصرفاً، إعادة هيكلة الإنفاق العام والإيرادات العامة بنظام ضريبي جديد...».

 

بدوره، يقول الاقتصادي روي بدارو، انّ اجتماعات لجنة المؤشر «مضيعة للوقت»، لافتاً الى انّ معدل الاجور يرتبط بالقدرة الشرائية التي ترتبط بدورها بسعر صرف الليرة ERPT exchange rate path through .

 

ورأى بدارو انّ الحدّ الادنى للأجور السابق، والذي كان نحو 450 دولاراً ادّى الى الإفراط بالاستيراد. فالرواتب المعطاة لم تكن متناسقة مع الإنتاجية اللبنانية، اذ من غير المعقول ان يكون الحدّ الأدنى في لبنان أغلى مرتين من الحدّ الادنى المُعتمد في اوروبا الشرقية. أما في الوقت الراهن فلا يمكن البقاء على 40 دولاراً، ولا يمكن الاستمرار بـ450 دولاراً. لذا يقترح بدارو ان يصبح الحدّ الأدنى في القطاع الخاص ما بين 125 دولاراً (خارج المدن الكبرى) و150 دولاراً (ضمن المدن الكبرى)، على ان تُدفع شهرياً وفق معدل سعر الصرف في السوق الموازي. اما الشركة غير القادرة على دفع هذه الرواتب فلتقفل. إذ لا يجوز حرق كل العمال بسبب بضع شركات غير قادرة على دفع الحدّ الادنى. واعتبر انّ ما يُطرح عن رفع الاجور الى مليون و 750 الف ليرة بما يساوي 90 دولاراً هو غير كافٍ، ومن شأنه ان يدفع نحو نصف مليون لبناني الى الهجرة. وتساءل: «لماذا احتساب كل شيء بالدولار باستثناء الرواتب؟ وإذا كانت السلطة الحاكمة لا تتمتع بجرأة رفع الاجور الى ما بين 125 و150 دولاراً فلن يقلّع البلد». وشدّد على ضرورة ان يقتصر دور الدولة على تحديد الحدّ الادنى للاجور، والّا تتدخّل في تحديد الشطور. ودعا الى ضرورة ان يرتبط هذا الحل بخطة اقتصادية غير موجودة حتى الساعة. فالحكومة لا تملك خطة اقتصادية متكاملة إنما اصلاحات جزئية.

 

أما عن اعطاء الزيادة للقطاع العام، فقال: «انّ المقاربة هنا تختلف، إذ كيف يمكن إعطاء زيادة للقطاع العام فيما لا يمكن للدولة ان تحصّل ضرائبها لأنّ القطاع غير الرسمي اصبح أكبر من القطاع الرسمي؟».

 

تابع: «انّ الزيادات التي تنوي الدولة إعطاءها تحتاج الى مقاربة ماكرو اقتصادية، اذ لا يمكن زيادة رواتب القطاع العام من دون تحسين المداخيل. وليس المقصود هنا زيادة الضريبة او التحصيل الضريبي انما المداخيل الاساسية، وذلك من خلال خفض القطاع غير الرسمي informal economy الى أقل من 5% وهو يتجاوز حالياً الـ50%».