مجتمع الأزمات... والخيارات الصعبة

22 تشرين الأول 2021 14:25:35

 منذ زمن واللبناني يسير على شفا جرف، ويعيش في وطن آيلٍ للسقوط، وأمام خيارين لا ثالث لهما، أحدهما مرّ !!

وانطلاقاً من تلك النقطة الجغرافية التي شكّلت مسرحاً للعنف، الطيونة- عين الرمانة، وكانت الشرارة الأولى لحرب لبنان الداخلية عام 1975، واستمرت لنحو 15 عاماً، وبلغت خسائرها البشرية نحو 150 ألف قتيل، وقرابة مليون شخص بين جريح، ومفقود، ومهجّر، وصولاً إلى خسائر ب 25 مليار دولار؛ كانت تلك أيضاً بداية حسم الخيارات المطلوبة، أكان الحرب، أو التوطين، أو تلك المتصلة بموقع لبنان الإقليمي، ولهذا وُصفت بأنها حرب الآخرين على أرض لبنان.
مجدداً اليوم، وبعد 31 عاماً تعلّم فيها اللبناني، وحفظ عن ظهر غيب، مصطلحات نسيان الصفحات السوداء وأخذ عِبَر الحروب والعيش الواحد والمشترك الخ... وكادت تسقط جميعها مع اندلاع العنف الطائفي، ومشاهد السلاح، والصيحات الطائفية، والقنّاصة المتجولين، التي أعادت جميعها إلى الأذهان شبح بدايات تلك الحرب في خيار جديد: العدالة والحرب أو الاستقرار، ليضع لبنان مجدداً على منعطف حاسم بين خيار الدولة والقانون، أو التفتت الاجتماعي، والجغرافي، والميليشيات  بما تملك من تطوّر تقنيات وأعداداً مضاعفة من المقاتلين من شأن الحرب، لو اندلعت، أن  تتفوق بقوتها على كل ميازين العدالة.

 فمن أجل حفظ السلام بحدّه الأدنى قد يضطر اللبنانيون للتخلي عن العدالة، وبالتالي دفن الحقيقة في دولة عُرفت دائما أنها دولة الأزمات، ولطالما تغنّت سابقاً بالتعددية، والحضارة، والحرية، والكتاب، والأكبر من وطن، بلد الرسالة. 

قال تعالى في كتابه العزيز، "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"، وقوله لنبيّه محمد (صلع)، "وما أرسلناكَ إلّا رحمة للعالمين"، وقول السيد المسيح (ع)، "طوبى لفاعلي السلام، فإنهم أبناءَ الله يدعَون".

فهل لنا، نحن اللبنانيون أن ندرك معاني تلك المقاصد في أدياننا ونتوكل على الله سبحانه وتعالى، ونضع أمامنا خياراً وحيداً، وهو العودة إلى الله بمعاني الحق والضمير الإنساني والأخلاق الدينية؟ وهل لنا أن نكون، وكل القادة الدينيّين صنّاع سلام وشركاءَ حقيقيّين، وساعين إلى الوحدة، وفتح دروب الحوار، لا لبناء جدران تفرقة نعيش خلفها، فنكون بحق إخوة عالميين؟ وهل لنا المحافظة على بقاء جوهر المشروع اللبناني الخلاّق مساحة للتلاقي الإسلامي- المسيحي، ورفض اي فئة أن تسجن نفسها في الماضي الأليم، وخلف متاريس التفرقة؟

بالطبع مثلما للحروب رجالاتها وأهلها، فانّ للسلام رجالاً تخطوا كل عوائق المواجهة، وخطوط التماس الطائفية، لأجل بلوغ فكرة السلام بمفهومه العريض، المرتكز على الاحترام الكامل لمبادئ الحريّات الأساسيّة، ورفع الإنسانية إلى مُستوى الوجود الاجتماعي المتحضّر، من خلال إيجاد المساحات الآمنة في التفاهم مع الآخر، تخفيفاً للتوترات المصطنعة، لا سيّما في المناطق المعرّضة للنزاعات، بأهداف نبيلة حماية للسلم الأهلي وتعزيزاً لظروف الاستقرار، والبعد عن كل ما يؤدي للخراب، والحروب، وتبديد الخيرات.

من هنا فإنّ التوّجهَ نحو الوعي والعقل، برؤية واقعية (نقول) إن بإمكاننا العيش بسلام منظّم وسلمي في ما بيننا، وسط قبول للاختلاف وفرح لكوننا إخوة، وعباد الله الواحد، فنصغي إلى صوت المحبة ونبذ الكراهية والحقد والعنف بكل صوره وأشكاله، وبأنّ طريق السلام الممكن بين الأديان انطلاقته نظرة الله. وهذا دور رجال الدين تحديداً لا سيّما أولئك الذين يميلون إلى المواقف السياسية التي تغوص بالتوتير الطائفي والمذهبي، ليكونوا صوت العقل والحكمة والوحدة الإنسانية والاجتماعية، صوناً للمجتمع والكرامة البشرية، وحفظاً للوطن ومؤسّساته ومقدّراته، وقيم المحبة المسيحية والرحمة الإسلامية والأخوّة التوحيدية لعيش السلام والاستقرار والأمان.  

صحيحٌ أننا نقف فوق رماد التَّاريخ لكنَّ باستطاعة عيوننا أن ترى زنابق الحقل، وأزهاره اليانعة، وخضرة شجره المتجدّدة عند كل فجر، فالثلوج المُتراكمة لا تُميت البذور الحية. وجميعنا معنيّون وفق روحيّة مذاهبنا وإيماننا، بالعودة والتوبة، والسعي الدؤوب، والعمل المتواصل الصادق الأمين، من أجل تطهير ذواتنا والارتقاء بإنسانيّتنا في عودتها الصاعدة إلى الله كخيار وحيد !!

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".