وردة الدم

د. قصي الحسين |

يوم السادس عشر من آذار 1977، يوم المختارة، في الشوف، في الجبل، وفي لبنان كل لبنان.
 لم يكن هذا اليوم الآذاري الجميل، ليوحي بالكارثة التي جعلت من التلال: ثلجا وجمرا وورد ومعادا.
 جدول من الدم الأنيق، غطى التلال الوادعة،التي خلت من الرجال. لأنهم كانوا في الحقل والمحجر. ولم يبق في الدور، إلا النساء والأطفال والشيوخ، وبعض ربات الخدور. بل بعض المدافعين عن كرامة الينابيع والحقول والورود.
 لساعة خلت أو نصفها أو قل أقل، سالت دماء الورود في الأرض. كان الغرض الأساسي من هذا العصف والقصف،إختبار الآثار التدميرية الناتجة عن نوع جديد من القتل، على أهلنا في الجبل. على الناس. على لبنان.
 بدا كمال جنبلاط شهيدا فورا، وردة من دم. تحتوي على الملامح الرئيسية للمشهد النهائي.
 بدت المختارة، مجرد خطوط غامضة، غير واضحة المعالم.
 نهض وليد جنبلاط. إستمر شهرا وشهرين وأكثر، وإلى الآن، في العمل المضني. يلم بيديه العاريتين الصانعتين، الورد عن الطرقات. 
 يقضي يومه في محجره، في مرسمه، في غيله.  ينظر بعينيه في التلال والقرى تفتح الورد. يحدد المعالم ويصنع الدرب.
 كان الأمر عنده، أبعد من أن يكون إرتجال العبقرية. كان جدول الدم الذي تدفق في المنعطف، كلفه العناء والعناية. كلفه الشيء الكثير. أثار فيه أيضا الكثير الكثير من اللوعة والحسرة والحيرة، والأمر العسير.
 كان بناء المشهد،بأكمله، مرحلة إثر مرحلة، وتفصيلا إثر تفصيل. بصر الوليد حديد. وقطع الغمام أسحم. وأجنحة الغربان وأرياح النوافذ والشبابيك والأبواب والقناطر والمداميك والأحجار في دار المختارة كلها، يرسم الفضاءات والخيارات والإرادات والإتجاهات، بلون واحد. 
 الأحمر القاني يمسح بعض قبابها وبعض دروبها وبعض ساحاتها. يرمي وليد جنبلاط في الأرض، حصى من قلبه، ويقرأ عليها تفتح الورد.
  اليوم ، في العام الأول من  القرن الثاني لمستهل الولادة، وفي العام الثاني والأربعين لمستهل الشهادة، تنهض المختارة من جديد، وردة من دم.
  واحدة من أكثر القلاع تشكيلا: تعارض الحروب بكل أشكالها، وتعاند الدروب. ثم تستقبل الزائرين قبلتها، وتنثر الورود.
 بشاعة الحروب، ومرارة الدم والورود، كتاب وليد جنبلاط الجديد.
 سطور من دم. ومن عرق. ومن ورق. ومن ورد. يكتبها كل يوم وليد جنبلاط. يطيرها في الأفق،  فتحملها رياح المختارة إلى الآفاق،طائرا يصيح على الأحرار في العالم: أغيثوني... أغيثوني: مرارة إنتهاك الروح. ومرارة إرتهان الحر. فدار المختارة اليوم،تصور وليد جنبلاط للعذاب اليومي على الدرب. قال كلمته ومشى، فسال جدول من ورد: مات كمال جنبلاط. مضى في سبيل ما كان يبشر به، ورهن حياته من أجله. عاش كبيرا وبسيطا. ومات شهيدا وعظيما.
 صار يوم السابع عشر من آذار بعد العام السابع والسبعين،  وإلى الآن والمستقبل القريب والبعيد، في المختارة، يوم الوحدة الوطنية، التي ناضل وإستشهد من أجلها، كمال جنبلاط، مسيجا بالورد.
 جدول من دم، سال ذات يوم، بالأحمر القاني في مساكب وأرواض ومروج وتلال المختارة، يفتتح مرحلة قاتمة في تاريخ لبنان، وفي تاريخ الأمة العربية جمعاء. معيدا ذكرى جميع الأبطال التاريخيين الذين تعالوا على الأخطار، وأعطوا للحياة معنى النضال والتقدم  والتحرر، والإزدهار.
 أولئك الذين حفظوا في وردة المختارة،دمها للبشرية. سقوا به دروب الآمال، غياثا للقيم المنتهكة، وإنتصارا لمناديل ورايات  وألوية الحق، البيضاء والحمراء، في وجه التعتيم والتضليل والجحود، برسالات الأنبياء والموحدين العارفين، وبالعهود.
 فالمختارة، وردة الدم ذات السادس عشر من آذار، تتفتح ولما تزل، منذ إثنين وأربعين عاما، مبادئ، سال بها كمال جنبلاط، جدولا من دم: ناثرا وشاعرا وثائرا. سار كمال جنبلاط، بمبادئ لا تموت.
 مضى وقضى. وخلفه وهج نور يحرق. يخرق الحواجز بين أبناء الوطن وأبناء الأمة. ويرسخ الولاء في قلوبهم جميعا: علما على جبل بالأحمر القاني، فوق كل ولاء، لكل عروبي، وكل لبناني وطني على حد سواء.
 المختارة، ذات وردة حمراء تفتحت و تفتقت في أفق لبنان، تجدد في السابع عشر من آذار، إيمانه، وتحفظ له أمانته: تراث الشعب اللبناني في الكرامة والحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية. بل مساواة ومؤاخاة. وطموح وعزم وعزيمة ونضال أبطال.
 المختارة ذات وردة حمراء: توحيدالجبل، وتوحيد لبنان. ولا توحيد غير توحيدها. إشتراك فعلي، لأوسع قطاعات الشعب وهيئاته. وتيار وطني واسع، يجدد الحركة اللبنانية،مسارا ومصيرا، لنضال إجتماعي ووطني طويل في أخطر منعطفات تاريخ لبنان.
 المختارة، ذات وردة حمراء، طريق النضال العربي المعاصر في وجه الإستعمار وفي وجه العسكرة والسيطرة. وطريق الإلتحام الفعلي بين المناضلين: لبنانيين وفلسطينيين وسوريين، وعربا وأحرارا أجمعين.
  المختارة ذات جدول من دم، في السادس عشر من آذار، طريق الأرض المقدسة. ودرب الجلجلة الطويل إلى القدس الشريف. بل درب من التضحيات، لاتضيع، في البحث عن هويات القتلة والمجرمين. بل رسالة تبليغ ومتاعب. رسالة شعل ومشاعل.لا تنطفئ. يغذيه الدم الذكي والذاكي،الدم الطاهر.
 إنه يوم لبنان. إنه يوم مستقبل لبنان. إنه يوم السادس عشر من آذار، هذا العام وفي كل عام.
     
(* ) أستاذ في الجامعة اللبنانية