"خريف ساخن" بين أذربيجان وإيران. ما علاقة تل أبيب وأنقرة؟

13 تشرين الأول 2021 18:12:46

يكرّر التاريخ نفسه في عددٍ من الدول والمناطق والأقاليم التي ارتبطت جغرافيّتها بحدود الامبراطوريات والقوميات، وطرق عبورها إلى العالم، حيث تعيش تلك الدول حالةً دائمة من الصراعات والنزاعات المتبدلة مع وقف التنفيذ، والتي تحكمها موازين القوى وطموحات تلك الدول وأحلامها، فتنفجر الحروب بأبشع صورها بشكلٍ مفاجئ، وتهدأ فوهات المدافع دون اتفاق معلن لوقف إطلاق النار سرعان ما تنتهي مفاعيله مع أي تحولٍ في السياسات، أو العلاقات الدولية. 

إقليم القوقاز واحدٌ من تلك الدول الذي هدأت فيه أصوات المدافع بعد اتفاقٍ مفاجئ قبل عام بين أذربيجان وأرمينيا في حرب تضرب أعماقها في التاريخ، والتي تعود إلى ما قبل سقوط الدولة العثمانية، والذي يعيش اليوم من جديد وبظروف مختلفة، حالة توتر وقلق من خريف ساخن مع تصاعد هدير مجنزرات الدبابات، وتحليق الطائرات، وضجيج المناورات العسكرية، من جانب طرف لم يحظَ بفرصةٍ عسكرية آنذاك، في ظل حديثٍ عن "معادلات إقليمية جديدة"، واكتمال ألوان قوس قزح "الناري" حول إيران من أذربيجان إلى أفغانستان والذي  ستتضح ملامحه الكاملة قريباً.

فعلى الرغم من إعلان إيران حرصها على الظهور بمشهد الوسيط المحايد خلال حرب "قره باغ" الثانية بين أذربيجان وأرمينيا، ونفيها تأمين عبور الأسلحة إلى أرمينيا عبر أراضيها، في محاولة للتخلص من الاتهامات التي لازمتها خلال سنوات طويلة من النزاع بأنها داعمة ليريفان، حيث وقفت طهران منذ عام 1993 إلى جانب يريفان في نزاعها المستمر مع باكو. 

ويتخوّف عددٌ من المراقبين من تحوّل التوترات التي وسمت العلاقات بين إيران وأذربيجان خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلى نزاع عسكري  وصراع شامل بين البلدين، في حين اقتصرت التوترات الحالية على تصعيد كلامي وتدريبات عسكرية على طول حدودهما (700 كيلومتر). فبعد أسابيع من تنفيذ أذربيجان وحليفتيها، تركيا وباكستان، مناورةً عسكرية مشتركة في باكو تحت شعار "الإخوان الراسخون"، أجرت طهران مناورة عسكرية واسعة النطاق على طول حدودها مع أذربيجان، وسط مزاعم إيرانية نفتها باكو، بأنّ الجيش الإسرائيلي منتشرٌ على الأراضي الأذربيجانية.

ويرى المراقبون أنّ عوامل عديدة تؤثّر في علاقات طهران - باكو، ومنها تل أبيب وواشنطن، وكذلك الجالية الأرمينية داخل إيران نفسها، مع وجود عوامل متبادلة، بينها قلق إيراني من النزعات الانفصالية للمناطق الأذرية. كما تخشى أذربيجان من التأثير الديني الإيراني في مجتمعها العلماني، كما أنّ إيران، قبل أرمينيا، خرجت خاسرة من الاتفاق الذي رعته روسيا بين باكو ويريفان بتنسيقٍ مع تركيا. وبالرغم من الترحيب الرسمي الإيراني، واعتبار الاتفاق ضرورة لإحلال السلام في جنوب القوقاز، فإنّ تصريحات وتحليلات جهات مقرّبة من صنّاع القرار في طهران تشير إلى أنّ الترحيب الحكومي تشوبه مخاوف وقلق مما يمكن أن تصل إليه ترتيبات الأوضاع في مراحل مقبلة، وهو ما كشفه بشكل واضحٍ تصريح قائد القوات البرّية الإيرانية، كيو مرث حيدري، مع انطلاق مناورات بلاده على حدود أذربيجان، (والذي جاء فيه) "إيران حسّاسة تجاه تغيّر الحدود الرسمية لدول هذه المنطقة، وترى ذلك غير مقبول، ويجب حماية الحدود القانونية. وضعف دولة في حماية حدودها لا يبرّر قيام دولة أخرى بتغيير حدودها بدعمٍ من الأجانب، وإيران لن تسمح بمثل هذا الشيء". 

وبعد أيام على إعلان اتفاق "قره باغ" العام الماضي، أصدر النائب الإيراني، أحمد بيغيش، بياناً صارماً طالب فيه بعدم الاعتراف بالممر بين ناخا شيفان وأذربيجان. ووفقاً لما تناقلته وسائل إعلام أذربيجانية، دعا بيغيش برلمان بلاده إلى الإعلان رسمياً أنّ إيران لا تعترف بالتغيير الجغرافي للحدود في المنطقة، والممر المقابل.

ولم تُخفِ الأوساط الإيرانية، المنتقدة اتفاق إنهاء الحرب، قلقها وتحذيرها من أنّه من شأن الاتفاق أن يُحدث تغييرات خطيرة في فضاء إيران الحدودي، واحتمال قضائه على حدودها مع أرمينيا، بسبب الممر الذي ينصّ الاتفاق على إنشائه لربط ناخا شيفان بأذربيجان، والذي يمرّ على امتداد حدود إيران في المنطقة، فهذا الإجراء يعني "عملياً قطع الاتصال البري بين إيران وأرمينيا، والذي يعدّ أحد الطرق الرئيسية للتجارة الإيرانية مع أوروبا".

 ومع تنفيذ ممر الاتصال هذا، لم تعد الحاجة قائمة لاستخدام الأراضي الإيرانية لربط منطقة ناخا شيفان بالدولة الرئيسية لأذربيجان، كما أن هذا الطريق سيربط تركيا ببحر قزوين عبر أذربيجان، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيّرات جيو- سياسية في منطقة القوقاز، وهذا ما تعارضه إيران بشدة، وقد صرّحت مراراً بأنّها لن تسمح بتغيير حدودها مع الدول الأخرى.

في 12 أيلول الفائت، استضافت أذربيجان مناورات عسكرية مشتركة مع تركيا وباكستان حملت عنوان "الإخوان الراسخون 2021"، وهي ليست الأولى من نوعها حيث سبقتها خطوات مشابهة، إلا أنّ محلّلين وباحثين أشاروا إلى أنها تحمل دلالات و"رسائل مشفّرة" مستفزة لطهران، وفقاً لمصادر وزارة الخارجية الإيرانية، التي اعتبرتها انتهاكاً لأحكام اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين والتي لم تصدّق عليها طهران، وتنصّ على أنّ القوات المسلّحة التي لا تنتمي إلى أذربيجان، وإيران، وكازاخستان، والاتحاد الروسي، وتركمانستان، ممنوعة من التواجد في بحر قزوين. 

وفي ما يشبه الرد على تلك المناورات، أطلقت إيران مناورات برية قرب الحدود مع أذربيجان وأرمينيا، ترافقت مع تصريحات لقيادي سابق في الحرس الثوري الإيراني، حسين كنعاني مقدّم، وجاء فيها، "كنّا على علم بوجود قواعد إسرائيلية في أذربيجان منذ سنوات عديدة، وكذلك إرسال قوات تكفيرية لتنظيم الدولة الإسلامية من سوريا إلى أجزاء من أذربيجان في حرب قره باغ. وعندما لم تستجِب أذربيجان لتحذيرات إيران شنّت إيران مناورة عسكرية قرب حدود أذربيجان".

وأضاف أنّ إيران مستعدة لإنشاء قاعدة عسكرية مشتركة مع أرمينيا في المنطقة التي تعد ممراً بين إيران وأرمينيا. كذلك أنّ، "إيران حسّاسة بشأن رغبة تركيا - العضو في حلف شمال الأطلسي "ناتو" - في توسيع حدود الحلف حتى بحر قزوين، ما سيقلب المعادلات الجيوسياسية في المنطقة". وقال: "إيران حسّاسة لهذا، ولن تسمح لجارتها الشمالية الغربية تركيا بالبدء في هذه المغامرات، وتعميق هذه التوترات".

 

يعتقد بعض المراقبين أنّ التواجد الإسرائيلي في أذربيجان يشكّل مصدر قلقٍ كبير لطهران، سيّما وأن تل أبيب، العدو التقليدي لإيران، هي أحد الداعمين الرئيسيّين لأذربيجان في نزاع ناغورني - كارا باغ، كما أنّها ثاني أكبر مورّد للأسلحة لباكو بعد روسيا، منذ العام 2016، ما يعني أنّها ليست السبب المباشر والمستجد في تطور الأحداث المتصاعدة توتراً بين البلدين، على الرغم من خطورة المعلومات التي نفتها وزارة الخارجية الأذربيجانية، وانتقد فيها الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، متسائلاً عن  أي دليل على ذلك؟"، حيث كانت قد روّجت بعض وسائل الإعلام المقرّبة من إيران عن وجود 1,000 عنصر إسرائيلي داخل أراضي أذربيجان، وعلّق عليها وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، بقوله إنّ بلاده، "لن تقبل بأي وجود للكيان الصهيوني قرب حدودنا، وأبلغت أذربيجان بهذا الأمر"، بحسب ما نشرته قناة العالم الإيرانية.

استغرب علييف إجراء طهران للمناورات على حدود بلاده، قائلاً إنّ، "هذا حدثٌ عجيب للغاية، فهذه الخطوة لم تحدث خلال 30 عاماً من استقلال أذربيجان طبعاً، لماذا الآن، ولماذا على حدودنا؟ هذه أسئلة شعب أذربيجان، وليست أسئلتي. فالأذريون في أنحاء العالم يتساءلون عن ذلك".

وكانت الخارجية الأذربيجانية، قد استدعت الشهر الماضي، السفير الإيراني في باكو، عباس موسوي، وسلّمته مذكرة احتجاج على دخول شاحنات إيرانية إلى ناغورني- كارا باغ  من دون إذن رسمي، متجهةً نحو أرمينيا، فضلاً عن قيام السلطات الأذربيجانية باعتقال سائقين إيرانيين. 

يخلص المراقبون إلى القول إنّ التوتر الإيراني – الأذربيجاني الآيل إلى مزيدٍ من التصعيد، تشتبك فيه عدد من العوامل المستجدة إقليمياً مع أثقال الإرث التاريخي من النزاعات العميقة بين البلدين، حيث شكّلت معارك ناغورني- كارا باغ الأخيرة نقطة تحول استراتيجية لصالح باكو وتركيا على حساب إيران وأرمينيا، سيّما وأنّ طهران قد فقدت أهميتها الجيو- سياسية لدى أذربيجان مع سيطرة الأخيرة على ممر ميغري الذي يربطها بإقليم "ناخا شيفان" والذي سيمكّن باكو من تزويده بالبضائع، بعد أن تمكّنت تركيا من تزويده بالطاقة من خلال خط  أنابيب الغاز الجديد.

ومن المتوقع أيضاً، وفق المراقبين، أن تتغير ديناميكيات العلاقات الثنائية لصالح باكو، بعد عودة جزء من حدود إيران مع أذربيجان لسيطرة الأخيرة، ما يسهل التواصل بين أذربيجان والأذر الإيرانيين بعد انقطاع لعقود، بعد سيطرة أرمينيا حليفة طهران عليها منذ 1994.

فالقومية الأذرية في إيران تعد القومية الثانية في التركيبة الاجتماعية بعد القومية الفارسية، وتقطن في شمال إيران، على الحدود الجنوبية لأذربيجان، ما يعني أن التصعيد بين البلدين ستكون له عواقب وخيمة على وحدة الأراضي الإيرانية المتوجّسة من النزعة الانفصالية لدى الأقلية الأذرية، التي يشكّل أبناؤها نحو عشرة بالمئة من سكان الجمهورية الإسلامية البالغ عددهم الإجمالي 83 مليون نسمة، فيما لو تكاملت عناصر هذا التوتر مع ما يجري داخل إيران وعلى حدودها الأخرى مع باكستان وأفغانستان.