لو كان كاذباً لما قتلوه..

11 تشرين الأول 2021 16:26:32

عشية تلك الليلة السوداء، كان المطلوب أن يشاركهم شرب الشمبانيا فوق الجثث، وأن يبصم ويسكت. كانت حفلة الجنون قد بدأت للتوّ، وتوزعت أقنعة الوجوه المزيفة وأدوار الراقصين على حافة الخراب والدمار والدماء. 

لم يشرب نخبهم، لم يلبس قناعهم، لم يشاركهم رقص الجنون ولم يصمت، وحين نطق لم يكذب... فجاءته الرسالة والنصح مراراً: "لم يعد من مكان لكمال جنبلاط في لبنان". 

كان كل المطلوب أن يكون شريكهم وأن يكذب. وحين كشف زيف ما يجري باحثاً عن تسويات لوقف حمام الدم ووقف الحرب، رافضاً عبور الدبابات من أي جهة أتت فوق مصير ومستقبل الوطن الصغير، باحثاً عن جسر عبور يوصله بالفريق الاخر لوقف النزيف، واقفاً بوجه مشاريع الأيادي السود... قتلوه. 

لو كان كاذباً، كما أرادوه، لما قتلوه... ومثله قافلة الشهداء الذين تجرأوا على معدّي الخرائط الجديدة للأوطان وعلى قضاة الأحكام العرفية في الغرف والأقبية.

الصوت الواضح والجريء هو الذي يُخنق تارة بالزنازين وتارة بطلقات غدر وتارة بكاتم صوت. 

حين أُعدم الزعيم أنطون سعادة، لم يقف في مجلس النواب حينها الا كمال جنبلاط، وقد قال مطالباً مساءلة الحكومة: "لقد أعدمتم الحرية في لبنان". أمثال هذه الطينة من الرجال لا يكذبون ويموتون من أجل ما يقولون وما يؤمنون به، وهم يعلمون أنه يوماً ما عندما ينزعج جلّاد عصرهم لن يكون لهم من مكان.

لكن كمال جنبلاط خاطب الجلّاد باكراً: "أموت ولا أموت فلا أبالي، هو العمر من نسج الخيال".