ضغوط أميركا "ولبنانات" لبنان

غازي العريضي |

تتوالى تهديدات أميركا وإسرائيل للبنان ربطاً بالحرب الإقتصادية السياسية المالية الإعلامية المعلنة من قبل الطرفين ضد إيران ومحاولاتها "الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها"، "وسيطرتها على مواقع متقدمة في المنطقة"، "وتقويضها وزعزعة استقرارها" "ودعمها الإرهاب العالمي"، "واستنادها الى ذراعها القوي حزب الله" الذي صنّف منظمة إرهابية. 

قبل زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قادماً من إسرائيل إلى بيروت، وبعد أن صعّد مواقفه ضد إيران وحزب الله "والقوى الرجعية مثل روسيا والصين وإيران" والإعلان عن اتفاق استراتيجي قبرصي يوناني- إسرائيلي حول مدّ أنبوب الغاز من إسرائيل - وهذا يستهدف لبنان - وإنشاء جهاز مراقبة مشترك في البحر الأبيض المتوسط لحماية آبار الغاز"، حلّ "الضيف العزيز" في عاصمتنا وأطلق سلسلة من المواقف التصعيدية ضد حزب الله، وحذّر من تمدّد إيران و"إحكام سيطرتها على القرار" في لبنان. وكان قد سبقه إلى ذلك رئيس دولة الإرهاب إسرائيل رؤوفين ريفلين عندما قال بمناسبة زيارة بومبيو: "رئيس الوزراء الحريري لا يمكن أن يقول لأحد إن لبنان منفصل عن حزب الله وان الحزب ليس جزءاً من لبنان. إذا حدث شيئ من لبنان تجاه إسرائيل فسيتحمّل لبنان المسؤولية"!

أما مساعده ديفيد ساترفيلد فقد قال في زيارته السابقة منفرداً إلى بيروت كلاماً تصعيدياً قاسياً مشيراً إلى مصانع أسلحة كاسرة للتوازن في محيط بيروت، وإسرائيل لن تسكت عن ذلك!! وطالب بمفاوضات مباشرة معها لتحديد الحدود في المنطقة البحرية جنوباً لتبدأ عميات التنقيب عن النفط!! وعندما عاد برفقة وزيره قال كلاماً مشابهاً في كل جلساته وبحضور الوزير وكأنه المسؤول المباشر عن تنفيذ الخطة المعدّة لنا، وهو سيعيّن سفيراً في تركيا وهذا خيار مدروس بالنسبة إلى الأميركيين. فالتعاون مع اليونان هو تعاون سياسي أمني. ويقول الخبراء العسكريون أن اليونان إحتلت مكان تركيا في التعاون الأمني مع إسرائيل التي إطلعت على تقنيات صواريخ الـ S300 الروسية وأعدّت خططاً مضادة لها وهي الصواريخ التي نقلت الى سوريا في الفترة الأخيرة. وهذا الأمر تأخذه روسيا في عين الاعتبار في علاقاتها مع تركيا وحساباتها في المنطقة. 

بعد عودة بومبيو إلى أميركا سجّلت مواقف كثيرة تصعيدية ضد لبنان وتمهيدية لقرارات معينة مؤذية. 

-  موقف أميركي "يؤكد" وجود مصانع أسلحة إيرانية في بيروت ومناطق أخرى ويدعو لبنان إلى تحمّل مسؤولياته تجاهها وإلا فإن إسرائيل ستقدم على معالجة الأمر بنفسها. هو تهديد مباشر بأن الطيران الحربي الإسرائيلي الذي يتحرك بحرية في الأجواء اللبنانية يقطع مساحات لضرب مصانع الأسلحة والمواقع الإيرانية على الأراضي السورية لن يمر فوق المصانع المشابهة في لبنان بل سيلجأ الى ضربها مباشرة وإزالة تهديدها!! 

-  مواقف إسرائيلية متكررة لا تميّز بين الحكومة اللبنانية وحزب الله وترفض بالتنسيق مع الأميركيين تبرير العلاقة مع الحزب ودوره على أساس أنه فريق سياسي لبناني مشارك في المجلس النيابي بقرار الناس انتخاباً وفي الحكومة اللبنانية. وبالتالي تهدّد إسرائيل بضرب كل شيئ في لبنان عندما تأتي الساعة!! فالحزب هو "منظمة إرهابية" حسب التصنيف الأميركي. 

-  موقف من إحدى الشركات اليونانية العاملة في مجال تنقيب النفط تعلن فيه أنها باشرت الحفر في المنطقة المختلف عليها بين لبنان وإسرائيل. ووردت معلومات -غير مؤكدة - بأن دولة الإحتلال بدأت بـ "شفط" الغاز اللبناني!! وهذا مخالف للأصول والقوانين الدولية لكنه يصبّ في خانة الضغط الأميركي لدفع لبنان إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل وإلا فإن الواقع سيفرض نفسه، يعني ستستبيح إسرائيل مياهنا والثروات الموجودة تحتها وهذا سيؤدي إلى توتر كبير بالتأكيد. هذه السياسة اليونانية تفسّر لماذا اندفعت المؤسسات الدولية الكبرى والاتحاد الأوروبي إلى حماية اليونان من نتائج الإفلاس الذي وصلت إليه وضخ مبالغ مالية كبيرة لمساعدتها. طبعاً وبعيداً عن نظرية المؤامرة أيضاً ينبغي التوقف عند حقيقة الحركة اليونانية الرسمية في إتخاذ الإجراءات السريعة الصعبة المؤلمة لتجاوز الأزمة، إذ لا يكفي ضخ المال في سلة مثقوبة!! وهذا حق يعطى لأصحابه!!

-  تسريب معلومات في إطار حملة إعلامية مركّزة في أميركا حول الاستعداد لمعاقبة كل من يتعامل مع حزب الله شخصاً سواء أكان فرداً أو حزباً أو مؤسسات... وذهب البعض إلى تسمية رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كانت له مواقف واضحة أثناء لقائه وزير خارجية أميركا والوفد المرافق، والوفود الأميركية التي سبقته ودعا فيها إلى حماية لبنان من الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق القرارات الدولية وأكد ضرورة رعاية الأمم المتحدة للمفاوضات حول المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر جنوباً ـ منتقداً السياسات الاسرائيلية ومجدداً التأكيد أن حزب الله هو حزب سياسي لبناني ولا يمكن القبول بتصنيفه منظمة إرهابية. كل هذه المواقف ليست جديدة. لكن التسريبات الأميركية جديدة وأحدثت بلبلة في الداخل اللبناني ورافقها تسريب حول استهداف رئيس الجمهورية ميشال عون أو بعض المقربين منه. هل تصل الأمور إلى هذا الحد؟ كل شيئ مع إدارة ترامب ممكن ويجب توقعه!! لكن ومع استبعادي استهداف "الرموز" فإن المؤكد أن المؤسسات الأميركية المعنية ستصدر سلسلة قرارات عقوبات تستهدف أفراداً ومؤسسات لبنانية مختلفة بتهمة تعاونها مع حزب الله وذلك في سياق التهديد بإلحاق الضرر بها وبمصالحها المالية، واستمرار معركة التهويل التي تقودها أميركا في هذا الاتجاه. 

مقبلون على أوضاع صعبة. وأيام ساخنة. لا يمكن مواجهتها بالطريقة التي تدار فيها الأمور في لبنان. انقسامات. واتهامات متبادلة. وهروب إلى الأمام. وأوضاع إقتصادية سياسية مالية صعبة دقيقة وخطيرة. غياب الرؤيا الواحدة حول كيفية التعامل مع التحديات المذكورة ومع قضية النازحين السوريين، وتسابق على التعامل مع الدول المعنية المؤثرة "بالمفرق" و"بتقديم عروض" "ومحاولة تأمين مصالح فئوية صغيرة". ولا حوار حقيقياً بين القوى الأساسية في البلاد حول الخيارات والسياسات ومجلس الوزراء يتعاطى بكل شيئ إلا بالسياسة الموزعة على مواقع مختلفة في        "لبنانات" لبنان. 

واقع مؤلم لا يطمئن إذا استمر وليس ثمة ما يؤشّر إلى تجاوزه في علاقات رموز الـ "لبنانات". إنها الساعة لطاولة حوار حقيقي صريح وحسم الخيار من الاستراتيجية الدفاعية إلى علاقات وموقع ودور لبنان في المحيط والخارج، وخطة مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية بعيداً عن التهوّر والتسرّع والانفعال والارتجال والحسابات الضيقة.