Advertise here

بين المواقف السياسية والحاجات المطلبية

10 تشرين الأول 2021 11:39:40

يكثر الكلام هذه الأيام حول التحضيرات للانتخابات النيابية، إن كان من خلال تعديل القانون الانتخابي، أو من خلال بدء بعض التحركات، أو النشاطات المرتبطة بالجو الانتخابي. وطبعاً، وفي خضمّ الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تعصف بالبلاد تتم المقارنة بين هذه الجهة أو تلك وفق ما يتم تقديمه من مساعدات، وأصبح كل طرف يقيّم حصيلة "أعماله" وكأنّ صفحات التاريخ طُويت وفُتحت صفحات جديدة لا تمتّ بصلة لكل ما شهده لبنان من مواقف سياسية، وتغييرات جذرية، نقلته من مكان إلى آخر.
        
لا يمكن إلقاء اللوم على المواطن الذي استولت المصارف على أمواله التي جناها بعرق جبينه. طبعاً الحديث عن المواطنين الذين يكسبون رزقهم بتعبهم. ولا يمكن إلقاء اللوم على المواطن الذي وجد نفسه يبحث عن عمل ما بعد أن توقّفت، أو خفّت، أعمال كافة المصالح في لبنان. ولا يمكن إلقاء اللوم على المواطن الذي حلم بدولة متطورة متقدمة استناداً إلى ما سمعه من شعارات فضفاضة ورنانة من قِبل قوى سياسية أسقطت مفهوم الدولة، وحطّمت هيبتها، واستباحت حرمتها. 
       
 لكن يقع اللوم على المواطن إذا جرفته بعض المواقف الآنيّة عن التطلّع إلى الهدف السياسي، وعلى مَن يريد تغيير واقع لبنان ويلغي تاريخه تمهيداً لتكبيله في محورٍ يعيده عشرات السنين إلى الوراء. 

إنّ التنوّع السياسي في لبنان ليس بصدفة، بل هو خيارات ينتهجها كل طرف وفق عقيدته وأدبياته ومنهجه. وصحيحٌ أن مبدأ التوافق في الحكم الذي كان سائداً لا يولّد دولة قوية، ولكنّه يؤكّد وجود هذا الشرخ الكبير في الانتماء السياسي.
        
محقٌ كل مواطن في انتقاداته لبعض الممارسات الخاطئة في الشأن العام، أو لسوء إدارة بعض المسؤوليات، ولكن لا يجوز التعميم وتحميل الحزب، كمؤسّسة بحد ذاتها، أخطاء بعض الأعضاء الذين تولّوا مسؤوليات. فلنتذكّر من عمل إيجاباً، وقدّم التضحيات، وناضل من أجل بقاء لبنان على النهج، والخط السليم.
     
 لا نريد الوقوف على الأطلال، ولكن لا بدّ من استذكار المواقف المشرّفة في السياسة عبر التاريخ. فهذه المحطات لا تلغيها الخدمات النفعية، فالمواقف لا تباع ولا تشترى، ولا يتمّ تجيير المواقف السياسية عند تحقيق بعض الخدمات. وهنا لا بد من التذكير أنّه، وعلى مدى سنوات الحرب المشؤومة في لبنان، أتت مساعدات مالية لكافة الأحزاب من هنا ومن هناك، إلا أنّ الحزب التقدمي الاشتراكي لم يرتهن يوماً بقراره السياسي لأية جهة خارجية مهما كبرت تلك المساعدات، فكان دائماً متميّزاً بمواقفه المتقدمة، ولم يرتبط بأي محور.
        
لا بد من قراءة نقدية شاملة وجريئة للمسار الذي انتهجه الحزب منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وصولاً لتاريخنا اليوم. وهذه القراءة ليست لجلد الذات، بل لمعالجة الخلل والتطلع نحو المستقبل. والمسيرة السياسية تتطلب حواراً شاملاً ومنفتحاً على كافة الملفات. وهذا العمل يشكّل سداً منيعاً في وجه الهجمات المتتالية، والتي لم تتوقف يوماً لحصار الحزب وتحجيمه.
       
 إنّ مقولة "تعليم الإنسان صيد السمك بدل إعطائه سمكاً ليأكل" تؤكّد الحاجة الأساسية للموقف السياسي الذي يعيد لبنان إلى الطريق السليم. ومهما قست على المواطنين الظروف المعيشية عليهم التفريق بين من يقود الطائرة ومن يشارك العمل بطاقمها. فالفرق شاسع بين قائد الطائرة والمضيف وكلاهما يشكل الطاقم. من هنا لا تغيب عن بالنا محطات سياسية مشرقة مرّت على تاريخ وجودنا. وهذه المحطات هي المداميك الأساسية التي ثبّتت وجودنا على هذه الأرض، ومنها نستمد القدرة على الصمود، وليس من خلال بعض الطارئين على العمل السياسي، والذين يعبثون بالشأن العام كمخبرين لهذا الحزب أو ذاك، ويستمدّون قوّتهم من أجهزةٍ استخباراتية خارجية.

 رئيس جمعية كمال جنبلاط الفكرية