الإزدراء والفوقيّة!

09 تشرين الأول 2021 09:39:48

المشهد الذي رصدته كاميرات الإعلام لدخول وزير الخارجيّة الإيراني إلى مبنى وزارة الخارجيّة اللبنانيّة لا يوحي أن اللقاء المرتقب هو بين رئيس الديبلوماسيتين اللبنانيّة والإيرانيّة بل هو أشبه بتفقد قائد عسكري مواقع المعارك ما يتطلب مواكبة أمنيّة رافقته إلى قاعة الاجتماعات بما يناقض الأصول الديبلوماسيّة والعلاقات بين الدول.

ويُذكر هذا المشهد باللقاء الذي حصل في العاصمة السوريّة في الأيّام الأخيرة لحكومة حسّان دياب غير المأسوف عليها عند استقبال أحد المسؤولين السوريين الوفد الوزاري اللبناني من دون وضع علم لبناني. طبعاً، الوفد اللبناني أيضاً لم ينتبه لهذا "التفصيل".

إذا كانت هذه الملاحظات الشكليّة تُعتبر سطحيّة لدى البعض، إلا أنّها في حقيقة الأمر تعكس الأجواء الداخليّة لتلك الجهات ومقاربتها للعلاقة مع لبنان، إما بفوقيّة أو بازدراء، وليس بأي شكل من أشكال العلاقات الطبيعيّة بين الدول.

ليس الازدراء من السلطات السوريّة للمسؤولين اللبنانيين وليد الصدفة. فالخروج المهين للقوّات العسكريّة السوريّة من لبنان في نيسان/ أبريل 2005 سيبقى محفوراً في الوجدان السياسي السوري لعقودٍ إلى الأمام، وما المنطق الانتقامي الذي يتفوّه به بعض صغار كتبة التقارير والإعلاميين عن عودة "الجزمة" السوريّة إلى لبنان إلا ليعكس قسطاً بسيطاً من الحقد الدفين تجاه لبنان واللبنانيين. وهؤلاء يحفظون أيضاً ابتعاد عددٍ من الساسة اللبنانيين عن سوريا في حقبة احترابها الداخلي بعد عسكرة الثورة والتدخل الخارجي الذي أتاح بقاء النظام وضمن ديمومته في "الانتخابات" الرئاسيّة الأخيرة.

وليست الفوقيّة التي اتسمت بها سياسات بعض الدول تجاه لبنان إلا انعكاس لإدراكها بمدى قوتها في لبنان وبتعميق قدراتها على الإمساك بالقرار الوطني اللبناني الذي صُودر ولم يعد مستقلاً، وبذلك أصبح لبنان مجرّد ساحة من الساحات الإقليميّة التابعة لذاك النظام ولم يبق سوى إعلان الالتحاق الرسمي بعدما تساقطت هيبة الدولة أو ما تبقى منها وأصبحت أسيرة أجندات خارجيّة لها أهدافها وحساباتها ومصالحها.

كما أن الفوقيّة تتمظهر أيضاً في الدعوات المتكررة لتقديم الدعم للبنان مع العلم مسبقاً بأنّه قد يعرّض البلاد إلى عقوبات خارجيّة تعمّق مأزقه الاقتصادي والاجتماعي وتؤبد حالة التقهقر والتراجع والفقر التي بات يعيشها لبنان.

إذاً، ليس تسجيل المواقف المجانيّة مفيداً لتلميع صورة هذا الطرف أو ذاك. الأمور مكشوفة ومعروفة. الأهداف معروفة والسياسات معروفة والنتائج معروفة. مزيد من الانطواء والعزلة والتدهور. هذا هو حال كل دول "المحور" وكل ما هو غير ذلك ليس إلا كلاماً بكلام.