مع أي جارَين في الجغرافيا يريد باسيل أفضل تنسيق؟

ربيع سرجون |

لا يجوز أن يبقى لبنان وجاراه في الجغرافيا من دون تنسيق مميز سياسي واقتصادي وعلى رأس جدول الاعمال السياسي عودة النازحين السوريين وعلى المجتمع الدولي ان يتحمل مسؤولياته. الجملة لوزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل. وبالعودة الى الجغرافيا فجارا لبنان هما سوريا وفلسطين المحتلة، بمعزل عما اذا كان باسيل يقصد ان اليونان وقبرص هما جيران للبنان، فإذا كان المعيار هو هذا المحيط، فجيران لبنان كثر ولا يمكن حصرهم بإثنين. وهنا لا بد من السؤال حول الجار الذي يقصده باسيل، ويريد التنسيق معه. الدعوة الى تطبيع العلاقات مع النظام السوري معلنة من قبل التيار الوطني الحر. ولكن ماذا عن الجار الثاني؟
بالتأكيد ان باسيل لا يقصد التنسيق مع السلطة الفلسطينية، خاصة عندما يتحدث عن التنسيق المميز السياسي والاقتصادي، والأهم ان كلام باسيل جاء بعد لقائه بوزيري خارجية اليونان وقبرص، وهذا ليس تفصيلاً إنما يدلّ الى مسار خطير يفكّر فيه بعض الاطراف، خاصة ان اليونان وقبرص وقعتا اتفاقاً علنياً مع العدو الاسرائيلي قبل فترة حول خطوط النفط والغاز، وباسيل من ابرز المتحمسين الى حلّ مسألة ترسيم الحدود لاستخراج النفط من البحر اللبناني. وبما ان لبنان يعارض حتى الآن الصيغة المقترحة اميركياً للترسيم، فبلا شك ان باسيل اراد ارسال رسالة ضمنية.
لطالما يرتكز باسيل على رهان يصل مستقبلاً الى تلاقٍ بين القوى المتعارضة دولياً، ولذلك يستمر في نهج خاص به يفتح من خلاله علاقات مع كل القوى، فهو حريص على العلاقة مع واشنطن وبتحالف مع ايران، يريد العلاقة الجيدة مع دول الخليج ومع النظام السوري، يؤيد ايران وحزب الله والمقاومة لكنه يعلن أنه من حق اسرائيل العيش بسلام بشرط ان لا تعتدي، وبأن ليس لديه إشكال ايديولوجي معها، وصولاً الى موقفه بالأمس بأنه لا يجوز عدم تنسيق لبنان مع جاريه. 
هذه التناقضات التي يستمر باسيل في اللعب عليها، ينطلق فيها من رهان اساسي لديه، بأنه لا بد من الوصول الى تفاهم او تقاطع مصالح في مرحلة من المراحل قد يخدم رؤيته، ولذلك كان لديه موقف واضح خلال زيارة وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو الى لبنان حين قال ان لبنان يطالب الشركات الاميركية بالمشاركة في مناقصات التنقيب عن النفط الى جانب الشركات الروسية. وخلال زيارته روسيا اعلن عن التحالف المشرقي بينما ايضاً يتحدث بالعروبة عند حديثه عن اعادة النظام السوري الى الجامعة العربية، ويتحدث عن اللبنانية في اطار الشعبوية المسيحية، ويتحدث بالإنفتاح على العالم عندما تقتضي المصلحة الدولية.
أخطر ما في هذه التناقضات، هو أن لا ثوابت فيها، وغالباً ما تكون مرتبطة بتحولات كبرى، وتتمايل مع الريح. وباسيل احد أفضل من يعرف التماهي مع الريح، او حتى صناعتها في محطات معينة، كاستحضار عدم الصراع الايديولوجي مع اسرائيل اى الحديث عن التحالف المشرقي، او عن التوازنات الديمغرافية، والتي يعرف انها تدغدغ ايضاً الاسرائيليين والغرب تحت شعار الاهتمام بالأقليات.
والأخطر ايضاً في ما قاله باسيل بالموقف ذاته حول التنسيق مع الجيران، بوجوب التنسيق بملف اللاجئين واعادتهم، وكأن المضمور من الهواجس الديمغرافية، يكاد يعلن لدغدغة مشاعر بعض القوى، التي تستفيد من تغيير موازين القوى في المنطقة وتعتبر ذلك حلماً تاريخياً معها. بلا شك ان باسيل يربط ملف ترسيم الحدود والتنقيب عن النفط وايجاد تسوية مع العدو الاسرائيلي وملف اللاجئين السوريين، كما يربط الملفين بملف تطبيع العلاقة مع سوريا، وهذه يمكن ان توضح الصورة اكثر بعد صفقة رفات الجندي الاسرائيلي والجولان، والتي تنطوي على صفقة كبرى تحصل بين اسرائيل وبشار الأسد والتي ستستكمل بعد نجاح نتنياهو. منطق باسيل يتوضح اكثر في السياق الابتزازي بملف اللاجئين حين يعتبر أنه لا يمكن الاستمرار طويلاً بسد منافذ تسرّب اللاجئين الى اوروبا. وهذا بلا شك يكون له مردود سياسي بالنسبة اليه.