انتخابات مشيخة العقل... ومشهدية التاريخ

30 أيلول 2021 16:39:54 - آخر تحديث: 30 أيلول 2021 17:05:58

 أسدلت طائفة الموحّدين الدروز في لبنان الستارة الخميس، 30 أيلول 2021، على استحقاقٍ انتخابي للمنصب الأول، شيخ عقل الطائفة، بعد انتهاء ولاية سماحة الشيخ نعيم حسن، الذي يتمّمها بتاريخ 5 تشرين الأول المقبل بعد 15 سنة على انتخابه، والذي جرى في العام 2006 إثر صدور قانون تنظيم مشيخة العقل عن البرلمان اللبناني، وانتخاب مجلس مذهبي وفقاً للقانون الجديد.

جرى تنصيب الشيخ الدكتور سامي أبي المنى شيخاً جديداً للعقل، ليبدأ بتاريخ 6 تشرين الأول ولايةً قد تكون أقصر من سلفه، باعتباره يبلغ من العمر 64 سنة، في حين أن قانون الطائفة ينص على ولاية من 15 سنة كاملة شرط ألاّ يتعدّى العمر 75 سنة، وعند بلوغ هذا السن تكون نهاية الولاية حكماً، في حين أنّ ولاية المجلس المذهبي 6 سنوات، وتنتهي في 2 أيلول من العام  2024.

صحيحّ أنّ الشيخ أبي المنى فاز مرشحاً وحيداً بالتزكية، لكن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن بعيداً عن الديموقراطية والطرق المعهودة، باعتبار الأسماء التي طُرحت للمنصب لم تكن ترقى إلى رؤية مسؤولين في الطائفة بأنها تنسجم مع المرحلة ومتطلباتها، بشخصيةٍ ذات باعٍ طويل بالشأنين الروحي والعام من جهة، ومدركة حجم المصاعب والتحدّيات التي تواجه الطائفة والوطن على مختلف المستويات من جهة ثانية. وكان يمكن لـ10 أعضاء من المجلس التوقيع على ترشيحٍ آخر، لتصبح المنافسة تصويتاً من قِبل المجلس المذهبي، وبذلك تتجلّى الديموقراطية بأفضل حللها على الصورة في أذهان الناس في ما لو تقاربت التطلعات مع الأهداف لأشخاص تتناسب صورتهم مع العناوين الموضوعة في هكذا حال.

 وثمة من يرى وجود شخصيات نخبوية غير الشيخ سامي أبي المنى، وممكنة لتولي المسؤولية. وهذا صحيح وحقٌ مشروع للجميع بوجود كمٍ من القامات الفكرية، والاجتماعية، والروحية، الرائدة والكفوءة والمؤهلة لهكذا موقع. لكن الأصحّ أيضاً أن القيَم العديدة التي ينفرد بها الشيخ أبي المنى، وبما يتحلى به على المستويات الفكرية، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية، إلى جانب الروحية، وتميّزه كرجل متنورٍ، وانفتاحي، وحواري، مع سائر المذاهب والعائلات الروحية على تنوعها، تجعله  من رسل المحبة والسلام، وجسراً عابراً للمناطق والطوائف، بما تشكّله من غنىً كبيرٍ للبنان، لينطبق بذلك القول مع الفعل: "الرجل المناسب في المكان المناسب".

إنّ اختيار أبي المنى كرجلٍ مشهودٍ له بالمعرفة وسعة الاطلاع، وبتلك الصورة النقيّة المعروفة عند أبناء العشيرة وباقي المجتمعات، تكون طائفة الموّحدين الدروز قدّمت للعالم صورة جليةً عن تطلعات حضارية رائدة، وطموحات من شأنها أن تحاكي الأجيال الصاعدة في مواكبة تطورات العصر. وبنفس الوقت أعطت اليائسين من بلدهم إزاء واقع لبنان المزري، والذي يشهد انهيارات متتالية على كافة المستويات الاجتماعية، والاقتصادية، والمالية، والمعيشية، ولمختلف عناصر ومقوّمات الدولة، أملاً بعودة الحياة إلى وطن الرسالة، وهذا ما ردّده كثرٌ من المهاجرين والمغتربين.

ومن رأى مشهدية الخميس المشدودة إلى التراث التوحيدي بمعناه الأثيل العميق، وبحقٍ سامٍ يعلو من فسحات ذاك النور الذي يجسّده مشايخنا، وكبارنا، ومرجعياتنا الروحية، بركة كل مكانٍ وزمان. وتلك الروحية منسجمة مع تطلعات القيادة السياسية في الحفاظ على صفحات التاريخ النضالية المشرقة، والوفاء لتلك المسيرة التي خطّها كبار من الطائفة المعروفية وتقتدي بها أمم، وبفضائل شريفة لا يقبلون عنها انزياحا. لن تكون المرحلة التالية إلّا على خطى السلف الصالح من أجل إعادة ترتيب الأمور، وتجاوز تداعيات الانتخابات بطريق الصلاح والوفاق، للحفاظ على وحدة الصف الداخلي، وصون الطائفة على كافة المستويات.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".