مُؤشرات على إعادة إنتاج النظام الأمني بطبعة جديدة

28 أيلول 2021 10:47:45 - آخر تحديث: 28 أيلول 2021 10:58:02

ثمَّةَ مُؤشرات واضحة على إعادة إنتاج النظام الأمني الذي كان قائماً قبل العام 2005 بصيغة ممانعة جديدة. والدلائل على هذا السياق المعتمد كثيرة، حيث تحوَّلت مجموعات أمنية، وناشطون من بعض الأحزاب إلى خلايا ضاغطة تُسهّل عمل التجاوزات للقانون في مناطق، بينما تجهد في مناطق أخرى إلى التضييق على المعارضين لهذا النهج بقوة. والقوانين تفسَّر عند عددٍ كبير منهم بما يخدم الجهات التي يوالونها، دون أي اعتبار لوحدة المعايير، أو للقيَم المتعارف عليها. وطبعاً هذا الأمر لا يشمل القطاعات العسكرية، أو الأمنية، التي تلتزم بالأصول وتتفانى في عملها، وتتمتع قياداتها وأفرادها بمناقبية عالية ووطنية مُتجذِّرة، خصوصاً في صفوف الجيش، علماً أنّ هؤلاء يعانون من أسوأ أزمة مالية في تاريخهم، كما الشعب اللبناني برمته.

ما حصل في البقاع أمام العيان حيث شوهدت قوة رسمية، تابعة لأحد الأجهزة الأمنية "العريقة"، تقوم بتسهيل مرور مجموعات متفلِّتة من القانون، مثالٌ من عشرات الأمثلة، وهو يُشبه ما كان يحصل سابقاً أيام الوصاية الأمنية السورية، حيث تحولت بعض الأجهزة إلى أدوات لخدمة قوىً تدور في فلك الوصاية. كما أن "العضومية" القضائية التي كانت في خدمة المشروع ذاته، تطلُّ مجدداً بأوجهٍ مختلفة. ومن هذه الأوجه على سبيل المثال أيضاً ما حصل من تهديد وتحامل على القاضي طارق البيطار الذي يحقق في ملف جريمة المرفأ.

وتتداخل الاعتبارات الانتخابية والمالية في ذات الحلقة، حيث تشهد مجموعات من الموظفين الحكوميين على تنظيم عمليات غير مشروعة، وأحياناً تُساعد في إتمام مثل هذه العمليات تحت مبرّرات غير مُقنعة. ويُمكن في هذا السياق إدراج ملف إدخال المازوت الإيراني بطريقة غير شرعية - على ما أعلن وزير الطاقة السابق ريمون غجر - وهو أكّد أنّه لم يكُن على علمٍ بهذه الصفقة، بينما القوانين اللبنانية تفرض الحصول على الإذن المُسبَق عند أي إدخال للمواد النفطية، والتي يجب أن تخضع لفحص بالمختبرات للتأكد من سلامتها، ومن صلاحية استخدامها للمحركات، وهو ما لم يحصل في الملف المذكور، علماً أنّ لبنان كان يعاني من عملية تمويل ثمن المحروقات، وليس من عدم قدرته على استيرادها من الأسواق الدولية المفتوحة أمامه، على عكس أسواق إيران وسوريا التي تخضع للعقوبات. وما حصل يمكن إدراجه تحت عملية تجارية تمويلية رابحة، لأنها تبيع سلعاً بأسعار أرخص من الأسعار الرسمية، وأرباحها هي بمثابة حق للخزينة اللبنانية لأنّها قيمة الرسوم الجمركية التي لم تُسدَّد على الحدود.

والإطلالات الإعلامية الأخيرة لمدير عام أبرز جهاز أمني تأتي من ضمن المؤشرات على عودة النظام الأمني أيضاً، خصوصاً أنّه لم يتناول في مقابلاته قضايا أمنية تتعلق بمديريته فقط، بل تحدث عن قضايا سياسية داخلية وخارجية ليست من اختصاصه على الإطلاق، وبدا كأنّه طرف سياسي في الانقسام الداخلي، كما أوحى جهارةً ميوله إلى توجّهات خارجية تتعاطف مع محور سياسي محدّد. وردّه التخويني، والاتهامي، والتهديدي، على بعض منتقدي إطلالته الإعلامية، يُشبه إلى حدٍ بعيد النموذج المُعتمد في الأنظمة الأمنية التوتاليتارية، لا سيّما القريبة من الساحة اللبنانية، بينما كان يمكن أن يوضِّح ما قصده فقط. أما تسريباته حول اعتقال ناشطين سوريين، واتّهامهم بأنهم "عملاء"، فلا يمكن تفسيره إلّا من ضمن حلقة الاندفاعة الأمنية الجديدة للمحور أيضاً، ولم نعرف إذا كان هذا المدير قد حصل على إذنٍ للتصريح للإعلام كما ينصّ القانون أم لا.

والاستعراضات المسلّحة التي حصلت مؤخراً في البقاع، وفي الحمرا في بيروت، حلقة تأكيدية على التوجّهات التوتاليتارية الجديدة.

وما يثير الشكوك أكثر فأكثر من عودة النظام الأمني، هو انكشاف هوية بعض الرموز والأشخاص الذين لعبوا دوراً في حراك 17 تشرين، وتبيّن أنّهم مندسّون في صفوف هذا الحراك، بل متآمرون عليه، وأساؤا إلى سمعة "الثورة"، وساهموا مساهمة فعًالة في تشويه صورة الناشطين، والدلائل على ذلك أكثر من أن تُحصى، بحيث أن بعض الأشخاص انكشفوا أمام الكاميرات بأنّهم جزء من منظومة سياسية مُمانعة، ومنهم مَن تمّ تكليفه بمهام وظيفية كمكافأة له. وقد توضَّح للرأي العام أنّ غالبية الدوائر المعنيّة لديها مجموعات  "حراكية " تعمل معها لخدمة آجندة معينة، وهي تتحرَّك وتنكفئ وفقاً لرغبات مرجعياتها، وبعيدة كل البعد عن التوجّهات الحضارية والمحقّة التي  انطلق منها المعارضون الصادقون.

وعلى المقلب الآخر من مساحة الجنوح الأمني الذي يتمدَّد بسرعة، يمكن الإشارة إلى الظهور الإعلامي لبعض الرموز من الذين يتحدثون بصفة صحافيين، أو خبراء استراتيجيين، ويعلنون عن معلومات موجهة الأهداف ومُجتزأة، ولا يمكن أن يعرف بها إلّا أجهزة مختصَّة. وأحياناً تضاهي معلوماتهم ما يعرفه الوزراء المختصّون أنفسهم، وهؤلاء تجاوزوا كل الحدود في تشهيرهم بمواقف البطرك بشارة الراعي وبرئيس الحزب التقدني الاشتراكي وليد جنبلاط وغيرهم من الرموز الوطنية والدينية، وإطلالاتهم مدروسة ومنسّقة، وبعضهم عنده مرافقون من القوى النظامية، أو من قوى الأمر الواقع التي تتمتع بنفوذ يفوق نفوذ القوى النظامية أحياناً.

ويمكن إدراج التفلُّت المتزايد على الحدود اللبنانية – السورية، كما عودة تنسيق العلاقات بين بعض الأحزاب والنظام إلى سياقها السابق من ضمن هذه المؤشرات على عودة الإمساك الأمني بالحياة السياسية اللبنانية. وبالفعل، فقد تحوّلت بعض الأحزاب الموالية إلى مكاتب تسويق "تجارية وانتخابية" للترويج للمازوت الإيراني، وللأدوية غير المرخصة، تحت شعار تقديم المساعدات والخدمات للناس وللمؤسّسات المحتاجة، بينما الواضح أن عملها يهدف لتحقيق ربحية مادية، وتحشيد سياسي.

إنّ الوقوف إلى جانب الجيش وقوى الأمن ومساندتهم، لا تعني بأي حال من الأحوال تجنُّب الإشارة إلى الاختلال الذي يحصل بين الحين والآخر بتبريرات غير مفهومة، أو غير واقعية، بما في ذلك التفلُّت من الانضباط (كما حصل أمام منزل القاضي غسان خوري على سبيل المثال) وهذا التفلُّت يتزايد في أكثر من موقع، وفي هذه الفترة بالذات.

تجربة النظام الأمني فشلت سابقاً، وأدّت إلى الخراب. وإذا ما عاد هذا النموذج، كما يحلم البعض، سيؤدي حكماً إلى نقل لبنان من جهنّم إلى الجحيم، وسيُربك عمل الحكومة التي تعمل بجد لإنقاذ البلاد.