أيّ منحى سياسيّ سَبَق الحسم في مشيخة العقل؟

19 أيلول 2021 22:44:49 - آخر تحديث: 20 أيلول 2021 16:17:39

لا يزال المطّلعون على مقاربة الحزب التقدمي الاشتراكي لجهة العناوين التي يعتمدها في التعامل مع الشأن المحليّ على صعيد الأوضاع السياسية في الجبل، يعبّرون عن سكّة محدّدة من التطلّعات التي لا تحمل تفرّعات أو متغيّرات لناحية ضرورة إيلاء الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والصحية الأولوية الأساسية في المرحلة الراهنة. وتشكّل هذه الاهتمامات محطّة رئيسيّة في نظرته إلى عملية "تدوير الزوايا" في العلاقة مع القوى الدرزية المحسوبة على خطّ 8 آذار. ويبدو في استذكار مجموعة النقاط التي جرى الاتفاق على متابعتها بُعيد اللقاء الذي جمع رؤساء الأحزاب الناشطة على المقلب الدرزي في خلده، بأنها تشمل العمل على معالجة ارتدادات الحادثة التي حصلت في البساتين - قبرشمون من جهة، وترميم التصدّعات الناتجة عن إشكال دميت بين مناصري التقدمي الاشتراكي و"التوحيد العربي" من جهة ثانية. وترتبط البنود التي اتّفق على ضرورة بلورتها في التعاون والتكافل الاجتماعي في ظلّ الصعوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي تمرّ بها البلاد. وتتناول العمل على مقاربة المسائل المتعلقة بالطائفة الدرزية على أساس الانفتاح والحوار. ثمّ أتى استحقاق مشيخة العقل ليرسم ذبذبات في الأفق، من شأنها أن عكست ملامح تباين، فيما ثمّة تساؤلات حول كيفية تأثيرها على مسار التهدئة الذي رسمه اللقاء الدرزي الموسّع. وكانت المرحلة التي سبقت فوز الشيخ سامي أبي المنى بالتزكية في ولاية مقبلة لمشيخة العقل، قد طرحت علامات استفهام حول مسار ما بعد اقفال باب الترشيحات.


وتشير المعطيات التي استقتها "النهار" من مصادر مطلعة عن كثب على كواليس الأيام التي سبقت الحسم في موضوع استحقاق المشيخة، بأنّ حلقة المشاورات قد انطلقت في هذا السياق بين رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط ورئيس "التوحيد العربي" وئام وهاب، بعدما تواصل الأخير مع جنبلاط للتباحث في شؤون الاستحقاق المرتقب. ثمّ وصل إلى جنبلاط 6 أسماء اقترحت من قبل أحد المشايخ الدروز. ولم يكن التقويم الذي أبداه جنبلاط ووهاب ايجابياً لجهة هذه الأسماء التي بدت وفق مقاربتهما غير مشجّعة أو مناسبة لتولّي منصب شيخ العقل. وتردّد أن رئيس "الديموقراطي" طلال ارسلان أبدى بدوره انطباعاً غير مشجّعاً للأسماء المقترحة من الشيخ نفسه. وقد عرضت الأسماء المذكورة على عدد من المشايخ الوجهاء في الطائفة، لكنها أيضا لم تنل إعجابهم بما أدى إلى إسقاط اللائحة. بعدئذٍ، حصل  تواصل وهاب وجنبلاط، مشيراً إلى ترحيبه باسمي الشيخ سامي أبي المنى والشيخ فؤاد البعيني. ثمّ حاول وهاب التشاور مع خلده من دون نتيجة، إذ لم يحصل جنبلاط على أجوبة (اقترح عليه اسمين) قبل ساعتين من إغلاق باب الترشيح. وكان أبي المنى حينذاك قد ترشّح بمفرده. وانطلق بعد ذلك التعبير في الاعلام عمّا سمّي انقسام وانقلاب.

إلى ذلك، بدأت تتناقل في الكواليس مؤشرات تعبّر عن انقسام في المرجعيات الدينية حول اسم أبي المنى. ولا تنفي المصادر هنا، أن المرجعيات الدينية على الصعيد الدرزي بدت منقسمة في النظرة الى الأسماء التي تدعمها لتولي منصب مشيخة العقل. والانقسام هنا، أتى خارج إطار حزبي أو سياسي، في المرحلة التي سبقت الحسم من خلال مرشح وحيد. ولم يتفق المشايخ على اسم واحد. لكن الأجواء التي وصلت إلى المصادر، تشير إلى أن فئات واسعة منهم أيّدوا اسم أبي المنى، بما في ذلك مشايخ البياضة وعاليه. وكان من اللافت التأييد الشعبي الذي حظي به شيخ العقل الجديد في ظلّ تقاطر الوفود إلى دارته، والمؤهلات التي يتمتّع بها من حيث الكفاية والمحصّلات العلمية والموقع والانفتاح. وهناك من توقّف عند اتصال التهنئة الذي تلقاه من رئيس الجمهورية ميشال عون.

أيّ صورة ترسمها هذه المؤشّرات عن نتائج اللقاء الذي جمع رؤساء الأحزاب في خلده؟ لا يمكن التعبير عن نجاح أو فشل حتى اللحظة، وفق ما يشير مواكبون، باعتبار أن الحزب التقدمي لم ينسحب من التأكيد على النقاط التي حصل التوافق حولها. لكن علامات استفهام تُطرح حول المقاربة التي ستعتمدها الأطراف المقابلة في المرحلة المقبلة. في غضون ذلك، ثمّة معطيات أبعد من استحقاق المشيخة، لم يكن لها أن رسمت نتائج ايجابية لجهة عدم القدرة على التوصّل الى حلّ في مسألة معالجة ارتدادات اشكال البساتين - قبرشمون، بعدما حصل تحديد موعد زيارة سيقوم بها جنبلاط لأهالي الضحايا الذين سقطوا حينذاك بالتشاور مع ارسلان، قبل صدور بيان من الأهالي أنفسهم يرفض الحلّ والزيارة. وفي المقابل، استطاع جنبلاط ووهاب تخطّي تداعيات إشكال دميت وتحقيق المصالحة بين الأهالي. ويبقى المسار الذي ستتخذه العلاقة بين الحزب التقدمي والأحزاب المحسوبة على 8 آذار درزياً، مرتبطاً بما يمكن أن تحمله الأسابيع المقبلة في ظلّ التطورات السياسية. وإذا كانت الاستحقاقات السابقة تحدّ من التوقعات التي يمكن ترجيحها ايجاباً، إلا أن الأجواء التي يُعبَّر عنها على مقلب الحزب التقدمي تحمل معها مقاربة مبنية على عناوين لم تتبدّل.