إحتفال "الأنباء": شيء من النوستالجيا!

رشيد حسن |

تضمن الإحتفال الناجح بإطلاق الصيغة الإلكترونية لصحيفة "الأنباء" فكرة مبتكرة هي توزيع مجلد يضم صوراً للصفحة الأولى من أعداد الجريدة عبر 70 عاماً من تاريخها الطويل. 
كثيرون ربما، خصوصاً الأجيال الشابة التي نشأت بعد الحرب الأهلية الأولى (وهناك حروب عديدة شهدناها وليس حرباً واحدة) قد ينظرون إلى هذا الملف كشيء تذكاري، لكن قد لا يقرأون فيه كل مغازيه التي لن تخفى على المخضرمين من أمثالنا من الذين شاركوا في الفترات الغنية للنضال في ظل النظام السياسي السابق. 

ما نراه في هذا الألبوم، ونستذكره بسهولة من تصفح أوراقه، هو الحيوية الكبيرة التي كان يتمتع بها النظام السياسي اللبناني، الذي كان يسمح فعلاً بالتحرك ضد السلطة والعهود والحكومات، وقد اعتمد المعلم الشهيد في استراتيجيته السياسية ومشروعه التغييري على هذا التوافق الميثاقي، رغم خرقه مراراً من قبل السلطة وخصوصاً رئيس الجمهورية. 

كانت السياسة اللبنانية، قبل الإصابة بمرض طاعون الطوائف والمذاهب، مبنية على خلافات حقيقية في السياسة، وبما أن الرئيس كان حاكماً قوياً (وفي أكثر الأحيان وارثاً لعنجهية المندوب السامي)، فإن المعارضة الشعبية كانت تتحول بسرعة إلى معارضة لرئيس الجمهورية أو ما كان يسمى "العهد". وسيتبين أن مصدر القوة هذا، والذي استماتت المارونية السياسية في الدفاع عنه في مواجهة الحركة الإصلاحية التي قادها المعلم، كان في الحقيقة مصدر الضعف وتحول لاحقاً إلى سبب سقوط لبنان القديم وهيكل المارونية السياسية حتى الأركان!! 

لنلاحظ أيضاً، ومن أسماء الكتاب والشخصيات والمواقف السياسية التي تظهر في الأعداد القديمة من "الأنباء"، كيف تمكن المعلم من أن يجتذب بفكره السباق ورؤيته الوطنية الجامعة أكثر أطياف العمل السياسي في لبنان، وكان هذا المناخ هو البيئة المثالية لنشوء فكرة "الجبهة الوطنية" التي اكتسحت عهد الرئيس بشارة الخوري ثم عهد الرئيس كميل شمعون ثم عهد الرئيس سليمان فرنجية. 

وتقدّم الأعداد السابقة من صحيفة الحزب لوحات ومشاهد عن الأسلوب الحاذق الذي استخدمه المعلم في تفعيل مناخ الوطنية اللبنانية وأفكار العدالة ومحاربة الفساد (والمرض قديم كما يبدو) من أجل العمل على تطوير النظام السياسي، وخصوصاً عبر خلق قوة موازنة لهيمنة رئيس الجمهورية ونزعة التفرد التي كانت دوماً شرارة الأزمات الوطنية. وقد كان المعلم لا يترك السلطة تستريح ولا يترك قضية تتعلق بالإصلاح وحقوق المواطن أو بمواقف لبنان من الشؤون الخارجية إلا ويثيرها ويدخلها في جدول الأعمال اليومي لنضال الحزب والقوى والشخصيات التقدمية التي كانت تناصره. 

كان ذلك مناخاً أبقى على الأمل بإمكان تحقيق التغيير السياسي رغم التشوهات الكثيرة التي كانت في النظام.. لكن المؤامرة التي استهدفت نظام الحريات السياسية والفكرية والاجتماعية في لبنان وكذلك الازدهار الاقتصادي، الذي تحول إلى إحراج يومي لأنظمة العسف والجهل والفقر العربية، نجحت أخيراً في قتل تلك التجربة، ثم أتمت ذلك بتغييب قائد تلك التجربة كمال جنبلاط ثم بقتل أو تهجير الكثير من رموزها الآخرين. 

إحتفال "الأنباء" بتاريخ 70 سنة من النضال، وما حمله من تذكارات، يستدعي أيضا سؤالاً مهما: هل نحن محكومون إلى ما شاء الله بحالة التفتيت التي أحلّت سياسات الأديان والطوائف محل السياسات العقلانية الجامعة؟ هل غابت فعلاً فرص بناء التحالفات المتعدية لحدود المناطق والطوائف؟ هل فعلاً ضاق هامش الفعل والتأثير إلى هذا الحد؟ وهل ما نراه من عقم سياسي ومراوحة وإحباط هو فعلا قدر أُلزمنا به أم أنه في جزء منه على الأقل نتيجة قصور الخيال السياسي وفساد اللعبة والرضوخ أو قل التعب النضالي؟ 
ربما علينا التأمل في ذلك، وربما نعود إلى هذا الموضوع المهم في فرصة لاحقة.