التلازم البنيوي بين مكافحة الفساد والإصلاح التربوي

د. طارق خليل |

نعلم أنَ الرؤى تتعدد حول أسباب فشل النظام السياسي اللبناني كما نعلم أنَ أوجه هذا الفشل تنعكس في مجمل حياتنا اليومية حيث أصبح الفساد والإفساد جزءاً لا يتجزَأ من نقاشاتنا ومن تقبُلنا له. لكن ما معنى أن يطال هذا الإفساد المُمنهج في نظامنا السياسي حقل التربية؟ وما قيمة الهوية الوطنية التي نبحث عنها في ظل إفساد تربوي ربَما غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الللبنانية؟ ذكر لويس جوزف لوبري: أكثر ما ينقص لبنان، أكثر من الماء، أكثر من الطرقات، أكثر من الكهرباء، هو فِرَق من الأشخاص مُكرَسة كلِياً للمصلحة العامَة ومُنغمِسة مع بعضها، على الصعد كافَة،  إلى حل المشكلات المتعدِدة التي تحيط بالإقتصاد والعمل على رفع قيمة الإنسان. إذا لم يحصل تحوُل في ذهنية النخب الشابَة الللبنانية، النهضة تُصبِح ضعيفة ولن يستطيع لبنان القيام بدوره المنشود لتحقيق الإنصهار الوطني ولا بدوره العالمي كمركز مستنهِض للحضارة (مقتبس من نص للويس جوزيف لوبري، بعثة إيرفد/أكتوبر 1959). كما ذكرغوستاف لبون  أنَ ليست الثورات ولكن التحوُلات العميقة في الأفكار هي التي تُنتِج الإصلاحات الدائمة. فأين نحن من هذه المفاهيم في رؤيتنا للحقل التربوي، وهل هي مرتبطة فعلياً بمعوِقات مالية؟ على سبيل المثال: كتاب التاريخ الموحَد والتربية الوطنية في المدارس، العلوم الإجتماعية والإنسانية (معهد العلوم الإجتماعية)، الأداب(اللُغة العربية حفاظاً وتطويراً)، الرياضيات وغيرها من العلوم الدقيقة في الجامعات. كما أنَ بروز العديد من الجامعات والمعاهد الجامعية المرخَص لها والتي أخذ البعض منها صبغة طائفية ولا يوجد أي رقيب لكيفية تخرُج طلابها ذوي المستوى المتدنِي يُعدُ أحد المصادر في إنتاج النخب الزائفة التي تساعد الزعامات الإستزلامية في إحاطة شبكة الوظيفة وإغلاقها، وإذا استعرضنا واقع التعليم العالي في لبنان نجده عرضةً لإفساد منهجي يهدف لإغلاقه في شبكة الوظيفة.

تُعتَبَر الجامعات أحد أرقى أوجه بنية الدولة الحديثة حيث تُجسِد السلطة المعرفية الأعلى وإحدى أهم الركائز في ترسيخ هوية الشعوب حول مفهوم المواطنة. فهي المعبر الرئيسي لتمتين أسس الحكم في الدول القارة والمُقرِرة عبر رفد المؤسسات الحكومية بموظفين خرّيجي المدارس الإدارية. كما أنَ الجامعات تُعدُ التعبير الواضح والنتاج النجيب لتكوين الجماعات العلمية وإطلاق النخب المُلتزِمة كما تُشكِل مركزاً لانصهار مُكوِنات المجتمع. فإذاً هي المؤشِر الطبيعي للمسار الآخذ في التبلور في نطاق الجغرافيا العلمية.  أمَا حول واقع الجامعة اللبنانية، فنلاحظ أنَ أكثر من نصف أبناء لبنان يذهبون إلى الجامعة اللبنانية، جامعة كل الأطياف اللبنانية التي لا تحظى مع ذلك بسياسة مالية وأكاديمية مناسبة لموقعها العلمي ولحجمها المجتمعي ودورها التربوي. ممَا يدعو إلى التساؤل: إذا كان الهدف هو محاربة الفساد، فلماذا خزَان إنتاج النخب الشبابية، العلمية والسياسية، الأول في البلد أي الجامعة اللبنانية يُعامَل بهذه الطريقة؟ وما دام واقع الفساد قد انفتح بين القوى السياسية بلا مصارحات ولا مناصحات كما نشهد ذلك من خلال وسائل الإعلام فلماذا تناسي وجود سلطات رقابية تنفيذية(مجلس خدمة مدنية، تفتيش مركزي، ديوان محاسبة، دائرة مناقصات،...) الواجب إحترامها والذي يُعدّ ألف باء محاربة الفساد. أمَا الأخطر في البعض من هذه الإطلالات الإعلامية الشعبوية فهو أنَها لا زالت تندرج في نفس سياق الإجراء المتَبع منذ عقود حول العمل على تحويل المكوِنات الإجتماعية إلى مجتمع ذي هويَة لاأخلاقية التي على أساسها ينشأ الجيل الشاب ويتَبعها خريطةً لحياته المستقبلية.
نشأت الجامعة اللبنانية نتيجة مظاهرات شعبية وطلابية مطالِبة بإنشاء مؤسَسة تعليم عالي رسمية بعد أن كانت حكراً على مؤسَسات خاصَة لا شك أنَها لعبت ولا زالت دوراً مهماً في إنتاج الكثير من النخب الفاعلة في المجتمع – على سبيل المثال الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة القديس يوسف (اليسوعية) التي أسَسها الأباء اليسوعيون سنة 1881- ولكنها كانت محصورة ببعض فئات المجتمع وتوسَعت نسبياً على الشرائح الأخرى من خلال تحسُن مستوى الدخل والمساعدات التي تُقدَم من قِبل مؤسَسات غير حكومية وعلى رأسِها مؤسَسة وليد جنبلاط للدراسات الجامعية. فإذا الصراع الطبقي أنتج في العام 1951 أول نواة للجامعة الوطنية بإنشاء دار المعلمين العليا ومعهد للإحصاء حتى تحوَل عام 1959 إلى الجامعة اللبنانية كمؤسَسة ذات استقلال أكاديمي، إداري، ومالي. أمَا الآن، فلسان الحال يُظهِر كيفية التعاطي مع حقوق أساتذة الجامعة اللبنانية بدءاً من عقود المصالحة وصولاً إلى ملف التفرُغ من خلال إدخال عُرْف المناصفة، أضف إلى ذلك ما يُحاك لصندوق التعاضد لأساتذة الجامعة. ناهيك عن التأخُر في إنجاز المجمَعات الجامعية والعمل على إحياء الإنصهار الطلابي على مستوى لبنان.

ممَا لا شك فيه، سوسيولوجياً، إنَ بنية المجتمع اللبناني أصبحت تعاني من إختلالات كبرى كنتاج لإفساد ممنهج تعرَضت له على مدى عقود كل المُكوِنات اللبنانية ومرفق بفجوات فكرية كبرى، ولكن لإعادة بناء نواة تغييرية لا بد من إعادة استنهاض كل الحقل التربوي في لبنان كممر أساسي لخلق نخب نهضوية جديدة. بمعنى آخر، هل سنشهد سياسة حكومية تسمح لوزارة التربية طرح ملفات إصلاحية بدءا من المناهج، إن كان على مستوى التنشئة الوطنية والربط بسوق العمل،  مرورا بالبنى التحتية وصولاً إلى تأهيل الكوادر العلمية(دار المعلمين، كلية التربية، المدرسة الإدارية) ناهيك عن ضرورة دعم تطوير الجامعة اللبنانية - عبر مؤتمر سيدر؟- واستقلاليتها ضمن خطة واضحة مرتبطة بمدة زمنية محدَدة قائمة على استراتيجية تحاكي مؤسسات القرن الحادي والعشرين العلمية، فيتم تحويلها إلى صرح علمي بحثي مرموق يعيد التوازن بين تمددها الأفقي لناحية تفعيل الكليات والإختصاصات التعليمية والبحثية المناطة بها وتممدها العامودي لناحية الهرمية الإدارية وما ينتج عنها من تباطؤ في الفعالية. كما لا بد من القوى الملتزِمة بقضايا الوطن وعلى رأسها الحزب التقدمي الإشتراكي  إعادة تفعيل ثقافة العمل الحزبي والنقابي والمنتديات الفكرية ليعاوَد طرْح إشكالية الوهم في مقاربة الإصلاح، المتلازِم سياسياً-إجتماعياً-إقتصادياً، بعلم يميط اللثام عن أنانيات مغطَاة بشعارات لوطن تُهدَد مؤسَساته وتُبطَل فعاليَتها. لذلك بلا وهم يجب أقلَه الإقتناع في الشروع في تطبيق إتفاق الطائف كنقطة إنطلاق- بعد تأخُر دام لما يقارب العقدين من الزمن- للبنان المركز الإنساني وإعادة استنهاض موقعه الزراعي والصناعي حيث الحياة تُجدِد الحياة وحيث تُصبِح إصلاحات الحركة الوطنية نقطة تجاذب والتقاء.

في فهمه للقيادة أعلن لينين: أحسن الطرق للسيطرة على المعارضة، هي أن نقودها بأنفسِنا. فهذه الرؤية للينين لا شك أنَها كانت تهدف للأحادية في المعارضة ولتغيير أدوات الحكم القيصري الروسي نحو بنية فكرية – سياسية مختلفة. أمَا على صعيد لبنان حيث تكون نفس القوى السياسية في سلطة ومعارضَة بطبيعة الحال غير متعارضتين، فلن تسمح بأن تستقيم الحيوية السياسية اللبنانية وأن تُبلوِر حِراكاً معارِضاً قويماً يتمتع بإرادة الإستمرارية في المراقبة والقدرة على المحاسبة التي تُعتَبَر أقصر وأوضح طريق لمحاربة الفساد. أخيراً، ممكن أن يتغير الرأي العام ورأي القوى السياسية بما يلائم الأحداث، ولكن على مؤسَسات الدولة ألّا تتغير بما يلائم الرأي كما هو حاصل على الصعيد اللبناني.       
*أكاديمي وكاتب لبناني
*عضو مجلس قيادة الحزب التقدمي الإشتراكي