قمة المأساة عندما تعمل... والآخرون يهدمون

محمود الأحمدية |

عندما يتجاهلونك... كن على ثقة أنك تسكن في فكرهم ليلاً نهاراً وتمرّ في خيالهم كالسهم لم أتردد لحظة واحدة أن أكتب هذه المقالة كرسالة لكل مثقف عربي وبتواضع كامل...
منذ نصف قرن من الزمن عندما كنت يافعاً تحت العشرين تشربت من المبادئ التي تركها الوالد رحمات الله عليه وتختصرها جملة واحدة وكان متأثراً بفكر عبد الناصر وكلمته المشهورة: "ارفع راسك يا أخي"...
كان يردد دائماً شخصية المرء عمله وتضحياته وعقلانيته وقدرته على امتصاص انفعال الآخر ومحاربة الآخر والتصرف بدبلوماسية وباحترام مع الآخر تبعاً لنظرية أرسطو "أن الخير والشر يتصارعان في شخصية كل إنسان" بعيداً عن مدينة أفلاطون الفاضلة المثالية الغير موجودة... وبدأنا العمر في كنف عطف أهل طيبين ووالد حاز على "السرتيفيكا اللبنانية" التي كان لها وهجها وقيمتها وكانت أيام ذهبية للعلم في لبنان وللشهادات في لبنان بدءاً من السرتيفيكا إلى البريفيه وصولاً إلى البكالوريا قسم أول والماتيليم قسم ثاني ومرت الأيام وكنا نتعلم في ظل ظروف مادية قاسية حتى أني أذكر أننا كنا نقضي الموسم الدراسي شتاء في عاليه ونعود أدراجنا من عاليه إلى قريتنا شارون ومن ثمّ صوفر في أوائل الصيف...
وبدأت رحلة العذاب مع الشعور بحب العطاء والاصطدام مع الآخر بِبُعْدٍ جاهل حدود طموحه العائلة والجب والضيعة...
وكانت المرحلة الأولى والامتحان الأول، شخص من العائلة أراد تجميع النقود لشراء حوالي مايتي كرسي في تلك الأيام لاستعمالها في المناسبات وأنا كنت ما أزال في الجامعة الوطنية في عاليه، تفاجأت به أمام الباب ابن العائلة الفلاني ودعوته بترحاب كبير للدخول وشرح ما يحمله من أفكار... فبادر قائلاً: يا محمود أملنا فيك كبير وعندنا موضوع الكراسي "بدنا نشتري ميتين كرسي" لصالح كرامة الجميع... وبتلقائية وبدون أي تردد قلت له: شو مطلوب منا؟؟ قال: كذا... قلت له يا صاحبي صحيح أنا ما زلت تلميذاً ولكنني أسألك ما هو المبلغ الذي جمعته؟؟ قال: كذا وتابعت: وما هو الثمن الكامل للكراسي قال كذا سألته من جديد وما هو المبلغ الذي دفعه الآخرون في العائلة؟؟ قال كذا والباقي علينا حوالى 60% من المبلغ لكي نغطي كامل سعر الكراسي وسنتابع مسيرتنا مع الآخرين... وأنتم عليكم ثمن كرسيين أي ما يعادل حوالي الألف ليرة!! قلت له جواباً كالصاعقة نزل عليه: أنا أُكمل كامل المبلغ المتبقي وأرجو أن توقفوا الحديث مع الآخرين عن الثمن المتبقي... لم يصدق ما سمعه وكان فرحاً إلى أبعد الحدود وكانت المرة الأولى التي أقدم فيها شيئاً لمجتمعي ولأهلي وناسي وبكل تواضع... كانت هذه المشاركة لتلميذ يأخذ مصروفه من والده، بداية مشوار رائع في الحياة...
وخلاصته: السعادة هي في قمة المشاركة مع الآخرين فيها وتقاسمها مع الآخرين في نهاية الأمر تتكاثر هذه السعادة وتتعملق... وكل شيء إذا قسمته يصغر إلا السعادة عندما تتقاسمها مع الآخرين تكبر وتتعملق...
ومضت الأيام وانطلاقاً من فكر المعلم كمال جنبلاط، كنت ألاحظ أن المناسبات الاجتماعية سواء كانت في الأفراح أو الأتراح، إن هذه المناسبات تشكل بالنسبة للبعض فرصة للتشاوف وإعلاء الكشف والقول نحن أولاً... أما القاعات الاجتماعية فإنها الوسيلة المهمة في تطبيق الاشتراكية عندما تحتضن في أرجائها المساواة بين الجميع وإعطاء فكرة اجتماعية رائعة وهي كلنا أولاد تسعة وكلنا مجبرون بالتستر على بعض حفاظاً على كرامة المجموعة...! وباختصار شديد يشرّفني القول بأنني كنت السبب بالبُعدين المادي والمعنوي لإقامة وتشييد ثاني قاعة اجتماعية في جرد عاليه في شارون وذلك بعد قاعة مجدلبعنا التي شيدوها قبل قاعتنا بعشر سنوات... هذه القاعة التي خلقت المساواة بين الجميع في الأفراح والأتراح... ولن أزيد.  
وتتعملق المسؤوليات عندما تنتقل من مرحلة فيها والد يرعى شؤون العائلة إلى مسؤول مباشرة عن هذه العائلة وبعد رحيله الذي ترك الدمع متحجراً في العين حتى يبقى الرجال رجالاً...
وبدأ المشوار الصعب في الحياة عندما تخرجت كمهندس من الجامعة اليسوعية وبدأت كمهندس من الجامعة اليسوعية وبدأت برعاية عائلة مؤلفة من الوالدة وستة أخوة وأخوات... وكانت أيام صعبة ولكنها تنبض بالسعادة عندما تتخيل أخواتك و‘خوتك يتدرجون وصولاً إلى الجامعة وتحقيق الذات بشهادة تعتز بها... وكان لي ذلك بعون الله ورعايته... وتحملت وبفرح كبير مهمتي كحاضن للعائلة بكل ما تحمله من معنى...
وكنت أشعر ومع كل خطوة مفصلية في مسيرتنا كبيت وكعائلة كنت أشعر بالسلبية التي يختزنها الآخرون ويحاولون مواجهتك على أرض رطبة تتطلب علماً وديبلوماسية وسعة فكرة وسلاسة مواقف... ومرت الأيام يظللها عذاب الوقوف بعض المرات مشدوهين بالتركة الجلل التي تركها الوالد وعلينا بتحملها وبتحمل نتائجها...
وانتصرنا في الأغلبية الساحقة من الصعوبات التي حاولوا خلقها ومن ثم انتقلنا إلى مرحلة رائعة وجميلة حيث تعمدت علاقتنا وتجوهرت أكثر فأكثر... وكان مبدأي في الحياة وما يزال: في آخر النهار وكل يوم: اسأل نفسك: ماذا قدمت للحياة وللناس في آخر 24 ساعة؟؟ والآمال لا حدود لها... والمطامح لا حدود لها... وتحقيق الذات لا حدود له... أقف عند هذه المرحلة لأكتب عن مراحل أخرى في مقالات مستقبلية طمعاً في تقديم دروس للآخرين وبكل تواضع صادق من خلال العمل في قلب الجرح وفي مختلف المجالات وتغليب العقل على الأهواء... والمسؤولية وروح المسؤولية على كل كلمة كل حرف كل نقطة كل فاصلة من تفاصيل آمل فيها أن تقدم قيمة مضافة وتضيء شمعة في مسيرة البحث عن الذات وتحقيق الذات خدمة لمبادئ إنسانية مارستها طول العمر وما أزال... وأقول للذين هدموا ويهدمون وما زالوا... مهلاً مهلاً... الحياة جميلة ورائعة وتستأهل أن نعيشها! بعيداً عن الحقد والأنانية...!.
في قادم الأيام وفي المقالات المقبلة سأمر على مراحل عديدة كلها غنية بالتجارب وبكل تواضع خدمة متواضعة لمجتمع أحببته وفي يقيني وبعد ثورة التكنولوجيا: حدود الإنسان بطموحه وأفكاره حدود الكرة الأرضية بأكملها بينهما تتقزم هذه الحدود عند محدودي التفكير لتصبح حدود القرية والمنطقة والمدينة!!.