بيروت.. مدينة قفراء

31 آب 2021 09:33:25

 

بيروت التي كانت تُوصف بلؤلؤة الشرق، وست الدنيا، وقلادة العرب، والجنَّة والنجمة؛ هي جريحة بائسة اليوم، ومكسورة الخاطر، ترتشفُ العلقم على ضوء القناديل الذابلة في صيف حار. بخل عليها العريس والأشابين والمعازيم، وتركوها ممزقة القلب تبحث عن البريق والصدى ؛ فالبريق نام باكراً، والصدى بُحَّ صوته وتحوَّل إلى أنين يبحث عن دواء، حتى أن البحر الذي منحته بيروت الرونق والحياة عبر عقود؛ حبس عنها أنفاس الهواء العليل الذي اعتاد أن يتبختر بين حاراتها الجميلة، يعطيها نشوة البرودة، ويأخذ من جمعات أهلها الحلوة بلسم المحبة والحياة لينثره فوق صحاري الشرق وروابيه.

 

بيروت جريحة تلفها الأحزان، ويحاصرها الشتامون، ويديرها الفاشلون، وبيروت خسرت الآلاف من خيرة أبنائها بالاغتيال أو بالتفجير أو بالحريق أو بالهجرة، ووصل إلى المسؤولية فيها هواة بشهادة العالم أجمع.
يكفي أن تتجول في شوارعها الرئيسية لترى المآسي والسواد، وتتنشَّق رائحة عوادم أكثر من ثمانية آلاف من المولدات الكهربائية المنتشرة على المداخل والسطوح وفي الزوايا الخضراء المتبقية من حدائقها الساحرة، حتى أن هذه المولدات التي نضُبت خزاناتها من المازوت؛ أصبحت تصيحُ ألماً خوفاً على أصحابها والسكان الذين سيفقدون مع توقفها النافذة الأخيرة التي يشاهدون منها النور، رغم أن هذه النافذة هي ذاتها تُسبِّب لهم التلوُّث والغبار.


أما إذا دخلت إلى أحيائها السكنية الداخلية التي كان يحلم أن يقطن فيها رواد الفكر والثقافة والمستشرقون والصناعيون والتجار والحرفيون والصحفيون والسائحون الباحثون عن الاستقرار والهدوء والمباهج؛ فترى في تلك الأحياء مظاهر سكون فيه موت، رغم أن بعض الأنامل ما زالت تتحرك في أطراف الجسد.


نجح الفساد في تدمير هياكل الوطن بفترة قياسية، وتفتحت زهور الأنانية والنرجسية الصَلفة مكان براعم البنفسج الأخاذ، وبدا حقل القمح على جوانب الإهراءات المدمرة في المرفأ؛ صورة طبق الأصل عن البساتين التي مازالت تولدُ مُهجَّنة في محيط تشرنوبيل، لكن الفرق أن تفجير تشرنوبيل النووي في 26 نيسان(إبريل) عام 1986 وسط الإمبراطورية السوفييتية السابقة شمال أوكرانيا؛ كان بفعل خطأٍ غير مقصود، لكن الأرجح أن تفجير بيروت في 4 آب(أغسطس) 2020 كان خطأ مقصوداً، وربما عن سابق تصوُّر وتصميم، وقد زاد الانفجار من مفاعيل النكبة اللبنانية، وقضى على مساحات واسعة من سهوُب الأمل التي تركتها الجائحة الخبيثة عند اللبنانيين، وساعد الفاسدون على التسريع في تنفيذ مهامهم التدميرية، ومنحهم الوقت والترف ليتلذَّذوا بما يبدو أنهم يستمتعون به من مشاهد الخراب والدمار والموت، وليسجلوا في محافِظ أرشيفهم التاريخي البائس؛ أنهم أكثر مَن استقدم الخراب والفقر والدمار إلى البلاد في فترة قياسية. وكأنهم يقولون إن العمل السويّ تنساه البشرية، وربما يُنسى صنّاعُه، بينما حريق روما وتدمير بغداد وأفعال النازية؛ تدرُسها الأجيال، ولا ينساها التاريخ حتى ولو كانت أفعالاً شنيعة. والمأساة الفعلية عندما لا يدرك المسؤول الفرق بين الشناعة الخاوية والشجاعة الراوية.


بيروت الزهرة التي لُفَّت بسياسة العراء الخانقة، وروت من دمعتها تراب البلاد العطشى؛ تنتظر الربيع، وستعود زاهية بعد أن تكون الريح قد كسَّرت أغصان العناد والمحاصصة، وعرَّت المتلونين والمكابرين الذين حرقوها ليشعلوا «سيجارة» أو ليصنعوا من بقايا حطامها مجداً لذوي الأطماع.


لو لم تكُن بيروت عريقة وقوية وجبارة وأصيلة؛ لما تحمَّلت كل ما حصل. وظلمةُ أهل البيت عليها كانت أشدُّ مرارةً من ظلمةِ الذين دنسوا شوارعها عام 1982 وهربوا خائبين، لكن الحاجات الأساسية من دواء وماء وكهرباء حينها كانت تتسلل من بين جنازير الدبابات وتصل إلى بيوت نجبائها والصامدين، بينما أهل البيت اليوم؛ جعلوا من بيروت الحلوة مدينة قفراء لا يوجد فيها شيء، وأمثولة على البؤس يذكرها العالم كل يوم، ومشمتاً للحُساد والطامعين.


إرادة اللبنانيين التي لم ينل منها الغزاة والمستعمرون والأوصياء عبر التاريخ؛ لن تنال منها اليوم الأذرع الباهتة، ولا الهياكل البشرية الراكضة خلف المناصب، ولا غلاة الطائفية والتعصب والموت. وستنفُض عن أكتافها الرداء الكئيب، وستعود عروس المتوسط ولو بعد حين. وسينال المرتكبون الذين أذلوها وجوّعوها جزاءهم مهما طال الزمن.