الملفّ الأفغاني جائحة سياسيّة جديدة

20 آب 2021 09:23:27

لا يمكن التخفيف من الآثار الناتجة من الانسحاب الأميركي من أفغانستان، مهما حاولت بعض القوى الفاعلة والمحيطة استيعاب التداعيات، ذلك أن محاصرة الحدث وعزله عن الصراع الدولي القائم مهمة مستحيلة. فالأشواك الأفغانية "الدردارية" الخشِنة اكتسبت مناعة صلبة، وهي تؤذي في كل اتجاه، فمن يحتضنها تحبُباً يشعرُ بوجعِ نخزة أُبرها المُسننة، ومن يقبض عليها لتكسيرها أو لقذفها الى البعيد يطاله الألم الدامي وتتضرَّج أصابعه بالدماء. والمعروف أن كرة شوك الدردار تحمل كل أنواع "المزاليف" الرفيعة منها والخشِنة وكلاهما يُسببُ الأذى.

من المؤكد أن دوافع استراتيجية تقف خلف قرار الرئيس جو بايدن الانسحاب من أفغانستان، وقد استطاع إقناع شركائه في حلف الأطلسي بالتزام القرار أيضاً، ولم يعِر أي اهتمام للضغوط التي مارستها ألمانيا وتركيا للإبقاء على قواعد عسكرية تحمي البعثات الدبلوماسية في كابول، وتعطي لأنقرة دوراً وسيطاً يضمن بقاء التواصل مع حركة "طالبان" بهدف التخفيف من انعكاسات قرار الانسحاب، ويعوِّض على تركيا تراجعاتها المتتالية في المغرب العربي وفي شرق المتوسط.

لم تتضِح الأهداف الأميركية كلها حتى الآن، ولكن المؤكد أن هناك اتفاقاً حصل بين مكوّنات "الإستبليشمنت" الإستراتيجي الأميركي الذي يضمُّ ديموقراطيين وجمهوريين وقادة عسكريين منذ ما قبل تسلم الرئيس بايدن مقاليد الحكم، والاتفاق على ترتيبات الانسحاب الذي تمَّ التوقيع عليه قبل عام بين الملا عبد الغني باردار (المرشح لتولي رئاسة البلاد) ومبعوث الإدارة الأميركية زلماي خليل زادة بحضور وزير الخارجية السابق مايك بومبيو في الدوحة، يؤكد أن ما حصل كان من ضمن سيناريو معروفة نتائجه، وتصريح الرئيس بايدن بأن بعض الشوائب التي حصلت إبان الانسحاب كانت متوقعة؛ يعطي مصداقية أكثر فأكثر لفرضية الاتفاق المسبق مع "طالبان"، سواء كان ذلك بصورة واضحة أم بتفاهمات إيحائية خفية.

والواضح أن واشنطن وضعت الرئيس أشرف غني في صورة ما قد يحصل، وهو وضَّب اوراقه وممتلكاته للخروج من القصر الرئاسي قبل وصول قوات "طالبان" الى كابول، ولم يطلق جيشه رصاصة واحدة باتجاهها، وتبريراته أن خروجه كان بهدف تجنُّب حقن الدماء بين الأفغان تُشبه تصريحات بايدن قبل أسبوع من الانسحاب، عندما قال إنه ليس خائفاً من الانهيار بوجود جيش أفغاني مؤلف من 300 ألف جندي، وكلا التصريحين أشاعا أجواءً من الاسترخاء، وساعدا حركة "طالبان" للوصول الى أهدافها بأقل كلفة ممكنة.

إعلان واشنطن أن مهمتها انتهت في أفغانستان، وليس من ضمن مهامها إقامة دولة ديموقراطية مدنية في البلاد، بل هذه المهمة مناطة بالشعب الأفغاني؛ أثار تساؤلات حول طبيعة المهمة الأميركية التي استمرَّت 20 سنة، وكلفت ما يقارب 2,226 ترليون دولار و2442 قتيلاً من بين جنودها، إضافة لخسائر حلفائها في الناتو والتي ناهزت 1144 جندياً ومبالغ مالية كبيرة. والأهداف المُعلنة للغزو عام 2001 كانت: القضاء على حركة "طالبان" التي كانت تتولى الحكم في أفغانستان وتحتضن منظمة "القاعدة" وغيرها من الجماعات الإرهابية المتهمة بتفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في مدن أميركية عدة.

مجموعة المؤشرات التي تبلورت جراء تداعيات الحدث الأفغاني تؤكد وجود أجندة أميركية جديدة، غايتها رسم خريطة طريق لإرباك خصومها ولمواكبة التحديات التي تواجه واشنطن وحلفاءها في آسيا، خصوصاً منها تنامي دور الصين على مختلف الصعد، وغياب الإزعاجات الآسيوية التقليدية التي تُشغل روسيا عن طموحاتها الأوروبية، والاندفاعة الإيرانية لدخول نادي الدول التي تملك أسلحة نووية، إضافة لجنوحها المبالغ فيه باتجاه المشرق العربي. وهذه الدول المتعارضة في بعض التوجهات تربطها مصالح مشتركة في مناهضة الدور الأميركي والأوروبي، وتقف سداً منيعاً في مواجهة الطموحات الأحادية الأميركية.

يبدو أن واشنطن نصبت لهؤلاء – أي لروسيا والصين وإيران – فخاً محكماً من خلال ترك أفغانستان، وهي ستتجاوز المآسي التي رافقت عملية الانسحاب - برغم وصف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ما حصل بالهزيمة الشنيعة لبلاده - وخشية هؤلاء من الفوضى وتصاعد حدة التطرف في دول وسط آسيا الإسلامية واضحة. وقد حاولت الصين وإيران محاورة حركة "طالبان" مبكراً وقبل الانسحاب الأميركي، كما أن روسيا تعاملت بإيجابية مع الانتصارات الطالبانية؛ لكن كل ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن استعادة النموذج الإسلامي المتشدِّد الى أفغانستان ستكون لمصلحة هؤلاء، بل على العكس من ذلك، فقوة "طالبان" التي لم تعُد على عداوة مع واشنطن ستكون وبالاً على الصين، وستفتِّح جروح مسلمي الأويغور ولن تكون لمصلحة استقرار خطة الحزام والطريق – أو طريق الحرير الجديد – الصينية.

أما روسيا التي عانت من الفوضى الأفغانية في السابق؛ فهي ستنشغل حُكماً بخاصرتها الجنوبية بعد استراحةٍ طويلة، وهي تخشى من امتداد الاندفاعة الإسلامية التي سيحدثها النصر الطالباني على دول وسط آسيا الإسلامية الحليفة لها، كما على مسلمي جنوب روسيا الذين تربطهم علاقات عرقية ودينية مع مسلمي أفغانستان.

ولن تكون إيران بمنأى عن الحدث الأفغاني، والتوقعات تؤكد أن "الدهاء" الفارسي المعروف لن يتمكن من استيعاب التعارض الجوهري مع حركة "طالبان"، سواء على الخلفيات المذهبية، أم لناحية العداء المتجذِّر بين أصدقاء إيران من الهزارة الأفغان مع حركة "طالبان".