لست بكافر بل هم الكافرون

18 آب 2021 14:02:14 - آخر تحديث: 18 آب 2021 16:06:56

"وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا.."

اللهُ ملجأ كل مؤمن، وملاذ كل مكروب، يلجأ إليه، ويحتمي به في كل أحواله، وفي أوقات الشدَّة..

من أروع ما كتب الفيلسوف الهولندي سبينوزا في القرن السابع عشر، بعد ان قرا كل الكتب المقدسة والمعتقدات: 
لا اعرف إن كان الّله فعلاً قد تكلّم!!

ولكن ان فعل فلا اعتقد انّه قال شيياً غير التالي:

اريدك ان تخرج الى العالم، وأن تتمتع بالحياة...
اريدك ان تتمتع، وتغنّي، وتعمل، وأن تتمتع بكل ماقمتُ به من اجلك...
توقّف عن الذهاب الى تلك المعابد المظلمة والباردة، والتي بنيتَها، وقلتَ عنها إنّها مسكني!!

مسكني في كل الطبيعة. في الجبال، والاشجار، والوديان، والبحيرات، والانهار، والبحور...

توقّف عن اتهامي بالمسؤولية عن فقرك. لم اقل لك ابداً إنّ هناك شيياً ما شريراً بداخلك. ولم اقل إنّك ارتكبتَ خطييئة.
وتذكّر أن تتوقف عن ترديد القراءات المقدّسة التي لا علاقة لي بها. فاذا لم تتمكن من قراءتي اثناء الفجر، في منظرٍ طبيعي، وفي نظرة صديق، في زوجتكَ، في زوجكِ، في نظرة طفلك، فلن تتمكن من ان تجدني في اي كتاب!!

توقف عن الخوف مني، فلن أحاكمك، أو انتقدكَ. أنا لا ا?غضب ولا اعاقب. أنا الحب الخالص...
احترِمْ المختلِف معك بالرأي وحاوره، ولا تفعل له ما لا تريده لنفسك.

كل ما اطلبه منك هو ان تنتبه لحياتك، وإن تكون إرادتك الحرة هي موجّهك، وأن تشكّل مع الطبيعة عنصراً واحداً، لانّك جزءٌ منها. اعتنِ بها وستعتني بك.  ولقد جعلتك حراً بشكل مطلق. أنت حرٌ في ان تخلق من حياتك جنة او جهنماً!! 
أن تؤمن، يعني ان تعترض، وأن تتخيّل، وأن تتكهن. لا أريدك ان تؤمن بي. اريدك ان تحسّ بي في ذاتك حين تهتم بالحيوانات، وحين تحتضن أي طفلٍ صغير...

إيّاك ان تقتل من أجلي. وإيّاك ان تقطع رؤوس الآخرين، وتنهبهم  من أجلي...
فانا لست بحاجة اليك ان تفعل هذا.
ولا تبحث عني بعيداً، فلن تجدني.
 انني هنا في الطبيعة. أنا الكون. أنا المحبة...

عذراً سبينوزا. لم يبق لنا لا طبيعة، ولا موانئ، ولا أنهار، ولا سماء، ولا حدود، ولا دستور، وأحياناً لا قيَم، ولا مفاهيم ولا مبادئ...

عفوك يا ربّاه، أنا لست بكافر. لكن البعض قرّر عنك لنا المصير لجهنم أو الجنة، والحريق والغريق، والغنى والفقر، والشبع والجوع، والحياة والموت وبئسَ المصير، والكثيرين مِن مَن يعتبرون أنفسهم الناطقين باسم الله أنشأوا له الأحزاب والتيارات، وباسمه ساحات وأبنية و.....

وكأنّ المقال يعكس المعاناة اليومية لحياة شعب لبنان، وقد سبقنا في هذه المعاناة أهلنا في كثيرٍ من الأوطان، ولا زال ذلك مستمراً. فلا أستغرب ما كتبته، وما أكتبه، وما سأكتبه بعد. 

ولأننا تركنا، أو نسينا، السبب الرئيسي لمشاكلنا، وبدأنا نناقش النتائج الكارثية التي نعيشها على امتداد الوطن، مع بعض الاختلاف لبعض الخصوصيات، لكن يبقى المسبّب الرئيسي هو بعض الأحزاب الدينية والسياسية بمختلف ألوانها، وصفاتها، وأيديولوجيّاتها، واستراتيجيّاتها...

والسبب، هم أرادوا منها إيصال المواطن البسيط إلى الارتداد والنفور عن كل ما له علاقه بالدّين الإسلامي والمسيحي،  أو أي ديانة أخرى...

وفي البحث عن حقيقة الأمر، وعندما نتعمق في أمور هذه الأحزاب، أو التيارات، أو الحركات، ستجد أنّ لها علاقات مريبة مع قوى خارجية، وتتحرك من قِبلها وبأجندتها.

 هذا من جانب، أمّا الجانب الآخر فتأملٌ بسيط وستجد أنّ الخراب والدمار الذي سبّبته هذه الأحزاب والتيارات الفكرية الدينية، ليس فقط في المجتمع والمادة، وإنّما تجاوزت ذلك بالتخريب الفكري الثقافي للإنسان من خلال التجويع والتجهيل المجتمعي، وهم يقومون به من خلال تزوير شهادات الّله، وفذلكة الأديان وتفسيرها على مزاجهم، والنطق باسم الله وقدّيسيه.

 لا بل القتلى والمجرمون في الوطن أضحى لهم قدسية، بالإضافة إلى وضع الشخص غير المناسب والجاهل في مواقع مسؤولية تتطلب الوعي.
ولكنّنا نقول إنّ الّله لهم بالمرصاد، والوعي الفكري في حالة صحوة لدى من يؤمن بالّله، وبدينٍ حقيقي، وليس بدنيوية، والباحث عن النور وليس  عن الظلامية. وسيبدأ خط الارتداد عليهم عبر أرواح الشهداء، وجرح وألم أهاليهم، ودموع أطفال تحرق قلب، لمن له قلب، وليس قلبه من حجر.

ونتيجة لما نعيشه لربما للحظة كفرنا، أو بالأحرى كفّرونا، وتركنا هدفنا الرئيسي وهو معالجة إنسانية الإنسان، والمواطن والمواطنية، ومرضه الطائفي السرطاني المستشري في كل مفاصل الحياة في لبنان والاستحقاقات، والوزارات و...

الّلهم، ما لنا سواك نستودعك أنفسنا ووطننا.

 
هذه الصفحة مخصّصة لنشر الآراء والمقالات الواردة إلى جريدة "الأنبـاء".